اتهمت جارتها بالإصابة بالعين وأرسلت إحداهن لتأخذ شيئا من حاجاتها دون علمها، فهل هذا سرقة؟
السؤال
ولدي كان متعبًا نفسيًّا، فبادرني شك في جارتنا أنها أصابته بعين فأرسلتُ واحدة لتأتي لي بحاجة من حوائجها من دون علمها- أي: من دون علم المرأة التي شككت فيها- فهل أنا آثمة على هذا؟ وإذا كنت كذلك فما الحل؟ وأرجو أن لا يكون الحل بأن أصارحها بهذا لأن قد يسبب مشاكل أو حقد وكره، علمًا بأن ولدي قد تعافى ولله الحمد.
الجواب
الحمد لله
أولًا :
يحرم على المسلم أن يسيء الظن بإخوانه، ويزداد التحريم إذا بنى على سوء ظنه هذا شرًّا أو سوءً مثل البغض والكيد وإيقاع الضرر عليه، وهو ما فعلتْه الأخت السائلة فإنها شكَّت في جارتها بغير بينة، ثم ترتَّب على هذا سرقة حاجياتها، ومما لا شك فيه أن سوء الظن يصادم الأخوَّة، لذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نكون إخوانًا بعد أن حرَّم علينا سوء الظن.
عن هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا “.
رواه البخاري ( 4849 ) ومسلم ( 2463 ).
قال الشيخ محمد الصالح ببن عثيمين:
لا يحل لأحد أن يتكلم في أخيه لمجرد التهمة ويلطخ عرضه ويسيء سمعته، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا } [ الحجرات / 12 ].
وكون الإنسان يرمي غيره بالعيوب والذنوب والفسوق لمجرد تهمة طرأت على خاطره، أو قرينة ضعيفة لا تستلزم هذا الظن: هو أمر محرَّم عليه، وداخل في قوله { يا أُّيَها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ } الآية، وليعلم الإنسان أنه لا يلفظ كلمة واحدة إلا كانت مكتوبة لقوله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق / 18 ]. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 537 ، 538 ).
ثانيًا:
ويحرم عليكِ طلبك من صاحبتكِ أخذ شيء من حاجات جارتكِ ويحرم على صاحبتكِ فعلها ذلك، فعليكما التوبة إلى الله واستغفاره والندم والعزم على عدم الرجوع مرة أخرى لمثله، والسرقة من كبائر الذنوب كما لا يخفى على أحد ، وفيها الوعيد الشديد.
عن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلغت؟ “. رواه البخاري ( 6578 ) ومسلم ( 1832 ).
وحتى تصح توبتكما يجب عليكما أن ترجعا ما أخذتما من جارتكما.
ونحن نعلم أن مصارحتها بهذا سيسبب كراهية وحقدًا وقطيعة بينكما ونحن نقول لكِ بوجوب إرجاع ما أخذتِ ولا نقول لك بأن تصارحيها بما فعلتِ فالمهم هو إرجاع الحق إلى أهله.
قال الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله-:
… فإذا سرقتَ من شخصٍ أو من جهة ما سرقة: فإن الواجب عليك أن تتصل بمن سرقت منه وتبلغه وتقول أن عندي لكم كذا وكذا، ثم يصل الاصطلاح بينكما على ما تصطلحان عليه، لكن قد يرى الإنسان أن هذا الأمر شاق عليه وأنه لا يمكن أن يذهب– مثلًا– إلى شخص ويقول أنا سرقت منك كذا وكذا وأخذت منك كذا وكذا، ففي هذه الحال يمكن أن توصل إليه هذه الدراهم– مثلًا– من طريق آخر غير مباشر مثل أن يعطيها رفيقًا لهذا الشخص وصديقًا له، ويقول له هذه لفلان ويحكي قصته ويقول أنا الآن تبت إلى الله– عز وجل– فأرجو أن توصلها إليه.
وإذا فعل ذلك فإن الله يقول { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } [ الطلاق / 2 ]، { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [ الطلاق / 4 ].
فإذا قُدِّر أنك سرقتَ من شخصٍ لا تعلمه الآن ولا تدري أين هو: فهذا أيضًا أسهل من الأول؛ لأنه يمكنك أن تتصدق بما سرقتَ بنيَّة أنه لصاحبه، وحينئذٍ تبرأ منه.
إن هذه القصة التي ذكرها السائل توجب للإنسان أن يبتعد عن مثل هذا الأمر؛ لأنه قد يكون في حال طيش وسفهٍ فيسرق ولا يهتم، ثم إذا منَّ الله عليه بالهداية يتعب في التخلص من ذلك.
” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 162 ).
والله أعلم.


