هل تجب طاعة الوالدين ولو كانت خلاف رغبتنا؟
السؤال
لماذا نقول طاعة الولدين والله يقول { وبالولدين إحسانًا }؟ هل علينا تنفيذ كل ما يأمرون به من أمور دنيوية حتى و لو أننا لا نقبلها؟.
الجواب
الحمد لله
طاعة الوالدين هي من الإحسان إليهما، وهي واجبة من حيث الأصل، وتحرم طاعة الوالدين في ترك الواجبات أو في فعل المحرمات.
والمباحات في حياة الإنسان كثيرة وقد امتنَّ الله تعالى بها على خلقه كأن يأكل – ما يشاء من الحلال أو يلبس ما يشاء من الحلال، وكذا أن يتزوج من يشاء.
ومن المعلوم أن المباح يأخذ حكم ما يؤدي إليه فيصير واجبًا إذا كان يؤدي إلى واجب، ويصير حرامًا إذا كان يؤدي إلى حرام، وهكذا.
ففي أصل المباح لا يجب على الأبناء طاعة والديهم في أكل أو لبس شيء معين، وكذا في التزوج أو تزوج من يرغبون بها، ولكن على الأبناء مداراة والديهم وعدم إغاظتهم.
فإذا تحول هذا المباح إلى واجب في حق الابن كأن يخاف على نفسه الوقوع في الفاحشة: يصبح الزواج عليه واجبًا، وطاعة والديه فيه واجبة.
قال القرافي:
قيل لمالك في ” مختصر الجامع “: يا أبا عبد الله لي والدة وأخت وزوجة فكلما رأت لي شيئًا قالت: أعط هذا لأختك، فإن منعتها ذلك: سبَّتني ودعت علي، قال له مالك: ما أرى أن تغايظها، وتخلص منها بما قدرت عليه، أي: وتخلص من سخطها بما قدرت عليه. ” أنوار البروق ” ( 1 / 143 ).
وقال ابن مفلح الحنبلي:
ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله – ( أي: ابن تيمية ): إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقًّا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه كان النكاح كذلك وأولى، فإن أكل المكروه مرارة ساعة وعشرة المكروه من الزوجين على طول تؤذي صاحبه ولا يمكنه فراقه. انتهى كلامه.
” الآداب الشرعية ” ( 1 / 447 ).
ولكن مع هذا كله فينبغي عليك أن تراعي منزلة الوالدين وتوقيرهما وأخذهما بالصحبة الحسنة حتى وإن ضيقا عليك فيما أباح الله لك، فإنه أمرنا أن نصحب آباءنا بالصحبة الحسنة حتى ولو كانوا كفارًا يدعوننا إلى الشرك فكيف وهما لا يدعوننا إلا إلى شيء يظنان كل الظن أن الخير لنا فيه وإن كان في بعض ما يأمرانك تضييق عليك في بعض ما يباح لك، فالأحسن أن تطيعهما وأن تصنع ما يريدان وتنزل عند رغبتها، وإن كان لا يجب عليك ولكن من باب التضحية والإيثار فإنهما أحق من يُحسن إليهما ولذا جعل الله الصبر على طاعة الوالدين جهادًا، وجعل الله تعالى طاعة الوالدين بعد عبادته مباشرة؛ وذلك بيانا لمنزلة بر الوالدين.
والله أعلم.


