تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن وسبب اختلاف الصحابة فيه
السؤال
هل كان النبي صلى لله علية وسلم يفسر القرآن لأصحابة ومن في مجلسه؟ وإذا كان كذلك فلماذا اختلف المفسرون في فهم وتفسير آية الحجاب والرسول صلى الله عليه وسلم بين أيديهم.
وإذا كان القرآن لم يفسر إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم, لماذا ظهر الاختلاف في فهم تلك الآية, حيث نسب إلى بعض الصحابة أنهم فسروا الحجاب بأنه ستر جميع البدن ما عدا الوجه والكفين، والبعض الآخر قال إنه ستر جميع أجزاء البدن بما في ذلك الوجه والكفين، وجميع الصحابة في ذلك الوقت قد رأوا ما عليه نساء الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع نساء المسلمين من الحجاب الكامل, حيث وصفت عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار بأنهن كالغربان السود في حجابهن لا يظهر منهن شيء.
وهل ظهرت النساء في ذلك الوقت سافرات الوجوه , و لم ينكر عليهن أحد في ذلك , ثم استدل البعض بعد ذلك في جواز كشف الوجه؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا :
أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن ولم يحتج الصحابة إلى تبيين كل ألفاظه لأن منه ما كانوا يعرفونه من واقع الحال، ومنه ما كانوا يعرفونه بمقتضى علمهم بلغة العرب، وما كان يخفى عليهم أو يشكل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبينه لهم، ولم يكن هذا الخفاء على الجميع في كل الأحيان ، بل كان يخفى على بعضهم دون بعض.
فقوله تعالى { حتى بتبي لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } خفي فهمه على ” عدي بن حاتم ” رضي الله عنه حتى بيَّنه له صلى الله عليه وسلم وأن المقصود به بياض النهار وسواد الليل.
وقوله تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } خفي على أكثرهم وظنوا الظلم الذي في الآية هو ظلم الإنسان لنفسه، حتى بيَّنه لهم صلى الله عليه وسلم وأن المقصود به الشرك كما في قوله تعالى { إن الشرك لظلم عظيم }.
ومن وظائف النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيِّن للناس القرآن لفظَه ومعناه كما قال تعالى { وأنزلنا إليك الذِّكر لتبين للناس ما نزِّل إليهم }، فبلغ علمه وتعليمه صلى الله عليه وسلم لبعضٍ دون بعض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
يجب أن يُعلم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى { لتبيِّن للناس ما نزِّل إليهم } يتناول هذا وهذا، وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها مِن العلم والعمل، قالوا: فتعلمْنا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 331 ).
ثانيًا:
وأما اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير فقد كان قليلًا، وما قد يروى عنهم من اختلافٍ في معاني بعض الآيات هو من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد في أكثره، وقد بيَّن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنواع هذا الاختلاف بما لا مزيد عليه في كتابه ” مقدمة أصول التفسير ” وهي موجودة في الجزء الثالث عشر من ” مجموع الفتاوى ” فليراجع.
ثالثًا:
ولا يعني ما قلناه سابقًا أنه لا يوجد اختلاف تضاد بينهم في بعض معاني القرآن وأحكامه، لكنه قليل كما قلنا، ويمكن معرفة الصواب بإرجاع خلافهم إلى الآيات المحكمة وصحيح السنة.
وبالتأمل في نصوص الكتاب والسنَّة وأقوال عامة الصحابة وفعل الصحابيات الفاضلات نجد أن الصواب مع من قال إنه لا يجوز للمرأة أن تظهر وجهها وكفيها، ومَن روي عنه أنه قال بالجواز فيمكن الجواب عنه بأجوبة، منها:
- أنه قد روي عنه قول آخر يوافق قول المانعين.
- أنه يحتمل لقولهم فهمٌ آخر يوافق قول المانعين، وأن قولهم: وجهها وكفيها أي: ما لا يجوز لهم إظهاره، وذلك عند قوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها }.
ولو لم يكن هذا ولا ذاك فإن الواجب رد التنازع إلى الله ورسوله، واختلاف الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة وفي غيرها ليس أمرًا مستغربًا عند العلماء؛ وذلك لمعرفتهم أن لاختلافاتهم رضي الله عنهم أسبابًا كثيرة، ومنها عدم بلوغ النص لهم، ومنها عدم صحة الحديث عندهم، ومنها عدم فهم النص الفهم الصحيح، وهكذا في أسباب كثيرة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه ” رفع الملام عن الأئمة الأعلام “.
وإذا كان قد وقع خلاف في فهم نص النبي صلى الله عليه وسلم في حياته من قبَل أصحابه رضي الله عنهم – كمثل حديث الصحيحين ” لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ” ففهم منه بعضهم تأخير الوقت، وفهم الآخرون التعجيل في المجيء – فأن يقع خلاف بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فهو أمر غير مستغرب كما قلنا.
وللمزيد من الوقوف على حجة الكتاب والسنة وصحة أقوال عموم الصحابة في مسألة الحجاب فإننا ننصح بقراءة ما كتبه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه ” أضواء البيان ” ( 6 / 192 – 202 ) و ( 6 / 584 – 603 ).
والله أعلم.


