معنى قوله تعالى { إلى ربها ناظرة } وقوله تعالى { لا تدركه الأبصار }
السؤال
فضيلة الشيخ: ما صحة تفسير قوله تعالى { إلى ربها ناظرة }: فهذه تنتظر رحمة ربها لما حباها من نور وبهاء؟ وكيف الجمع بينها وبين قوله تعالى { لا تدركه الأبصار .. } الآية؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
من عقيدة أهل السنَّة والجماعة أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا، وأنه يُرى في الآخرة.
عن ابن عمر – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
” واعملوا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت “.
رواه مسلم ( 2931 ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله يُرى فى الآخرة وأنه لا يَراه أحدٌ فى الدنيا بعينه.
” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 230 ).
وأما رؤية الله في الآخرة فقد تواترت الأدلة من القرآن والسنَّة على إثبات ذلك، ومنها:
- الحديث السابق، وإثبات الرؤية فيه واضح.
- عن أبي هريرة أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك … “. رواه البخاري برقم ( 7000 ) ومسلم ( 182 ).
– تضارون – بتشديد الراء وتخفيفها -: لا يحصل لكم ضرر بسبب تنازعكم أو زحامكم.
- عن جرير بن عبد الله قال: كنَّا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة – يعني: البدر – فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامُّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ { وسبِّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب }. رواه البخاري ( 529 ) ومسلم ( 633 ).
– تضامون: بتشديد الميم المضمومة وفتح التاء: من: التضام، وهو انضمام بعضهم إلى بعض، وهو التزاحم.
– وبتخفيف الميم، وضم التاء: بمعنى: لا يلحقكم ضيم – وهو الظلم – فيراه بعضكم دون بعض، بل الجميع يرونه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
هذا الحديث من أصح الأحاديث على وجه الأرض، المتلقاة بالقبول، المجمع عليها عند العلماء بالحديث وسائر أهل السنَّة. ” مجموع الفتاوى ” ( 6 / 422 ).
وقال:
شبَّه صلى الله عليه وسلم الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئي بالمرئي; فإن العباد لا يحيطون بالله علمًا; ولا تدركه أبصارهم, كما قال تعالى: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار }، وقد قال غير واحدٍ من السلف والعلماء: إن ” الإدراك ” هو الإحاطة فالعباد يروْن الله تعالى عِيانًا ولا يحيطون به، فهذا وأمثاله مما أخبر الله به ورسوله.
” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 482 ).
ثانيًا:
ولا منافاة بين قوله تعالى { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [ القيامة / 22 ـ 23 ]، وبين قوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [ الأنعام / 103 ]، فالأولى فيها إثبات الرؤية، والثانية فيها نفي الإدراك، والرؤية لا تستلزم الإدراك، ونفي الإدراك يدل على أصل وجود الرؤية.
- القول في تفسير الآية الأولى:
قال ابن أبي العز الحنفي:
وقد ذكر الشيخ رحمه الله – أي: أبو جعفر الطحاوي – مِن الآدلة قوله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة } وهي من أظهر الأدلة، وأما مَن أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلًا: فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية: فهل قُتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد، وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرة، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة ورفضت الروافض وافترقت الأمَّة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد؟.
وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة ” إلى ” الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة: تدل على خلافة حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عُدي بنفسه: فمعناه التوقف والانتظار { انظرونا نقتبس من نوركم }، وإن عدي بـ ” في “: فمعناه التفكر والاعتبار كقوله { أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض }، وإن عدي بـ ” إلى “: فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله تعالى { انظروا إلى ثمره إذا أثمر } فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟ … عن الحسن قال: نظرتْ إلى ربها فنُضرت بنوره، وقال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: { إلى ربها ناظرة } قال: تنظر إلى وجه ربها عز وجل، وقال عكرمة: { وجوه يومئذ ناضرة } قال: من النعيم، { إلى ربها ناظرة } قال: تنظر إلى ربها نظرًا، ثم حكى عن ابن عباس مثله، وهذا قول المفسرين من أهل السنَّة والحديث. ” شرح الطحاوية ” ( ص 204 ، 205 ).
- القول في تفسير قوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [ الأنعام / 103]:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكذلك قوله: { لا تدركه الأبصار } إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء ولم ينف مجرد الرؤية; لأن المعدوم لا يرى وليس في كونه لا يرى مدح; إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا وإنما المدح في كونه لا يحاط به وإن رئي; كما أنه لا يحاط به وإن علم فكما أنه إذا علم لا يحاط به علما: فكذلك إذا رئي لا يحاط به رؤية فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وإذا تأملت ذلك: وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو ممًا لم يصف الله به نفسه.
” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 37 ، 38 ).
وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:
الآية فيها نفي الإدراك، والرؤية لا تستلزم الإدراك؛ ألا ترى أن الرجل يرى الشمس ولا يحيط بها إدراكًا؟ فإذا أثبتنا أن الله تعالى يُرى: لم يَلزم أن يكون يدرك بهذه الرؤية؛ لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية.
ولهذا نقول: إن نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم ولو كان الأعم منتفيًا: لوجب نفيه …
” شرح العقيدة الواسطية ” ( 1 / 457 ).
والله أعلم.


