الصدقة الجارية عن الأقارب الأموات؟
السؤال
هل يجوز للشخص أن يتصدق بصدقة جارية (مثل دفع المال لإحدى الجمعيات الخيرية لبناء سكن للأرامل والمحتاجين) وينويها لأقربائه الموتى الذين ليس لهم ذرية, أو ينويها لأناس اغتابهم وتاب من الغيبة وندم على ذلك وأراد أن يتحلل منهم.
الجواب
الحمد لله
أولًا :
ذهب جمهور العلماء – ونُقل فيه الإجماع- إلى جواز التصدق عن الأموات.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما هو الثواب والأجر الذي يعود على الميت من الصدقة عنه؟ مثال: هل الصدقة عن الميت تزيد في أعماله الحسنة؟.
فأجابوا:
الصدقة عن الميت من الأمور المشروعة، وسواء كانت هذه الصدقة مالًا أودعاءً، فقد روى مسلم في الصحيح، والبخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له “، فهذا الحديث يدل بعمومه على أن ثواب الصدقة يصل إلى الميت، ولم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم بين ما إذا كانت بوصية منه أو بدون وصية، فيكون الحديث عامًّا في الحالتين، وذِكر الولد فقط في الدعاء للميت لا مفهوم له بدليل الأحاديث الكثيرة الثابتة في مشروعية الدعاء للأموات، كما في الصلاة عليهم، وعند زيارة القبور، فلا فرق أن تكون من قريبٍ أو بعيدٍ عن الميت، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله إن أمِّي ماتت ولم توص، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال صلى الله عليه وسلم: ” نعم “.
الشيخ: عبدالرزاق عفيفي، الشيخ: عبدالله بن غديان، الشيخ: عبدالله بن منيع.
” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 9 / 25 ، 26 ) .
وسئلوا – أيضًا -:
لي أقارب ماتوا منذ زمن بعيد، ولم يورثوا شيئًا، وليس لهم وارث، هل يجوز لي أن أحج لهم من حلالي؟.
ولي عم لم يأت عليه أحد من الأولاد، ولم يورث شيئًا، وأنا لي وقْف هل يجوز أن أشركه معي في الوقف الذي يخصني؟.
كذلك والدتي ووالدي ماتا وأنا طفل صغير، هل يجوز أن أشركهم في وقفي مع العلم أنني غني وأملك حلالًا كثيرًا.
فأجابوا:
أولًا: يجوز لك الحج عن أقاربك الميتين إن كنت قد حججتَ عن نفسك.
ثانيًا: يجوز لك أن تتصدق عن أقاربك جميعًا بصدقةٍ واحدةٍ، كما يجوز لك أن تخص كل واحد منهم بصدقةٍ وحده.
ثالثًا: يجوز لك أن تُشرك عمَّك ووالديك في الوقف الذي يخصك، وهذا من البر والإحسان إليهم؛ إذا كنت لم توقف حتى الآن، أما إذا كان الوقف قد صدر منك منجزًا فليس لك أن تغيره، بل هو على ما صدر منك، إذا كان موافقًا للشرع المطهر.
الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، الشيخ: عبدالرزاق عفيفي، الشيخ: عبدالله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 9 / 31 ، 32 ).
ثانيًا:
وأما الصدقة عن الأحياء: فلا نعلم عليها دليلًا، وقد وجد في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يجيز فعله، وأما من اغتبته: فإن الاستغفار من هذه المعصية هو الواجب عليك ابتداءً؛ لأن الغيبة من كبائر الذنوب، ثم إن عليك أن تستسمح ممن اغتبتَه إن كان كلامُك منتشرًا، وإلا فلا تخبره حتى لا يتأذى بقولك وتعين الشيطان عليه، وعليك أن تثني عليه مكان ما اغتبته، وعليك رد غيبته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:
فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك، فقد قيل: من شرط توبته: إعلامه، وقيل: لا يشترط ذلك، وهذا قول الأكثرين، وهما روايتان عن أحمد، لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له، والاستغفار، وعمل صالح يُهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه، قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته. ” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 189 ).
وقال ابن كثير:
فطريقه إذن أن يثني عليه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته لتكون تلك بتلك. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 217 ).
وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله-:
كفارة الغيبة: إن علمَ صاحبُك: أن تذهب إليه وتستحله، وإن لم يعلم: فكفارة ذلك: أن تستغفر له، وأن تذكر صفاته الحميدة في المجلس الذي اغتبته فيه؛ لأن الحسنات يُذهبن السيئات.
” أسئلة اللقاء المفتوح ” ( سؤال رقم 913 ).
والله أعلم.


