تشاجر مع كافر وأُدخل الكافر السجن فهل يتنازل؟

السؤال

– أتمني أن يصلني رأيكم في الموضوع التالي:

أنا مصري أعيش فيUSA ، حدثت مشاجرة بيني وبين شخص غير مسلم، ونتيجة للمشاجرة جُرحتُ جرحًا بسيطًا، وذهبت إلى المستشفى وقد أُخذ هو للحبس.

سؤالي الآن:

هل لي أن أتنازل عن القضية لأني أخش الله أن يضر هذا الشخص وعائلته، أم أترك القضاء يأخذ مجراه، وقد يسجن نتيجة لذلك؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الذي ننصحك به هو التنازل عن القضية لسببين:

السبب الأول: أنْ تُظهر له بتنازلك عظمة شرع الله سبحانه وتعالى، وتبيِّن له حث الشريعة على العفو والمسامحة عن الحقوق, حتى لو كان في أمرٍ عظيم مثل ” القتل “، بل توعَّد من عفا ثم اعتدى على القاتل بعد عفوه، كما قال الله سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } [ البقرة / 187 ].

وليس في ذلك ذلٌّ لك، بل هو عز ورفعة في الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله ” رواه مسلم ( 2588 ).

السبب الثاني: أن قد يُعاقب أكثر مما يستحق، وعليه: فلا ينبغي أن تكون أنت سببًا في ذلك، وخاصة أن سجنه قد يؤثر على أسرته سلبًا، بخلاف عفوك عنه وتنازلك عن القضية فإنه إن لم يؤثر فيه فقد يؤثر في أسرته أو في أعضاء المحكمة، كما حصل في قضايا متعددة.

ثانيًا:

على أنه يُشترط لتنازلك وعفوك عنه أن لا يكون هو مفسدًا في الأرض، فإن كان كذلك: فلا يحل لك التنازل عن القضية، بل يجب أن تسعى في عقوبته وسجنه ردعًا له وكفًّا لشرِّه عن الآخرين، ونفهم هذا عندما نتأمل قول الله تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين } [ الشورى / 40 ]، وقوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون } [ المؤمنون / 96 ].

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:

هذا من مكارم الأخلاق, التي أمر الله رسوله بها فقال: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } أي: إذا أساء إليك أعداؤك بالقول والفعل: فلا تقابلهم بالإساءة, مع أنه يجوز معاقبة المسيء بمثل إساءته، ولكن ادفع إساءتهم إليك بالإحسان منك إليهم, فإن ذلك فضل منك على المسيء، ومن مصالح ذلك: أنه تحف الإساءة عنك في الحال, وفي المستقبل, وأنه أدعى لجلب المسيء إلى الحق, وأقرب إلى ندمه وأسفه, ورجوعه بالتوبة عما فعل، ويتصف العافي بصفة الإحسان, ويقهر بذلك عدوه الشيطان, ويستوجب الثواب من الرب، قال تعالى: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ }، وقال تعالى: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا}، أي: ما يوفق لهذا الخلق الجميل { إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.

وقوله { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } أي: بما يقولون من الأقوال المتضمنة للكفر, والتكذيب بالحق … وأما المسيء من الشياطين: فإنه لا يفيد فيه الإحسان، ولا يدعو حزبه, إلا ليكونوا من أصحاب السعير، فالوظيفة في مقابلته: أن يسترشد بما أرشد الله إليه رسوله فقال: { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ }.

” تفسير الشيخ السعدي “.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة