خائف من أن يدركه الموت في أي لحظة ويخشى من عذاب النار

السؤال

أشعر أن الموت قريب جدًّا جدًّا ومن الممكن أن أموت بين لحظة وأخرى، وهذا يسبِّب لي خوفًا شديدًا من عذاب النار حيث إن الإنسان مهما كان خيِّرًا فهو يخطئ.

الجواب

الحمد لله

  1. الموت حق، وقد كتبه الله تعالى على كل نفسٍ، كما قال عز وجل: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } [ آل عمران / 185 ].
  2. ومهما بذل الإنسان من أسباب واحتاط لنفسه وظن أنه يفر من الموت فإنه ملاقيه، كما قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الجمعة / 8 ].
  3. وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الموت، وليس هذا إلا لكي يتفكر المسلم بمصيره بعده، ويكون مستعدًّا للقاء ربه تعالى بالعمل الصالح، كما قال صلى الله عليه وسلم: ” أكثروا من ذكر هادم الذات، الموت، فإنه لم يذكره أحدٌ في ضيق من العيش إلا وسعه عليهم، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه “.

أخرجه ابن حبان (2562- موارد) وحسنه الألباني في ” صحيح الجامع الصغير ” ( 1222 ).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا، و أكيسهم أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم له استعدادًا، أولئك الأكياس “.

أخرجه ابن ماجه ( 4259 )، وحسَّنه الشيخ الألباني، وقال: وأما الجملة الأولى فهي صحيحة – ( يعني: قوله: ” أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا ” ) -. انظر ” السلسة الصحيحة ” ( 3 / 373 ).

  1. ولا يجوز للمسلم أن يسيء الظن بربه تعالى، بل عليه أن يُحسن الظن به عز وجل، فهو يجازي المحسنين ويعفو عن المسيئين، وهو تعالى يضاعف الحسنة إلى عشر أضعافها إلى سبعمائة ضعف، ولا يجازي بالسيئة إلا سيئة واحدة، كما قال تعالى: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [ الأنعام / 160 ]، وقال تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة / 261 ].

عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم – قبل وفاته بثلاث – يقول: ” لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن “. رواه مسلم ( 2877 ).

قال النووي:

قال العلماء: هذا تحذير من القنوط, وحث على الرجاء عند الخاتمة, وقد سبق في الحديث الآخر قوله سبحانه وتعالى: ” أنا عند ظن عبدي بي “, قال العلماء: معنى ” حسن الظن بالله تعالى ” أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه, قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا, ويكونان سواء, وقيل: يكون الخوف أرجح, فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه; لأن مقصود الخوف: الانكفاف عن المعاصي والقبائح, والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال, وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال, فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى, والإذعان له, ويؤيده الحديث المذكور بعده ” يبعث كل عبد على ما مات عليه ” ولهذا عقبه مسلم للحديث الأول، قال العلماء: معناه: يبعث على الحالة التي مات عليها, ومثله الحديث الآخر بعده ” ثم بعثوا على نياتهم “. ” شرح مسلم ” ( 17 / 10 ).

  1. وحسن الظن بالله تعالى يوجب على المحسن القيام بما يحب ربه تعالى من الطاعات وينتهي عما نهى عنه ربه تعالى.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان؛ فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه وأنه لا يخلف وعده، وأنه يقبل توبته.

وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه، وهذا موجود في المشاهدة، فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبدًا، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسنُ الناس ظنًّا بربه: أطوعهم له، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن أحسنَ الظنَّ بربه فأحسنَ العمل، وإن الفاجر أساء الظنَّ بربه فأساء العمل.

” الجواب الكافي ” ( ص 13 ، 14 ).

وقال – رحمه الله -:

وكلما كان العبدُ حسنَ الظنِّ بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه: فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل.

” مدارج السالكين ” ( 1 / 471 ).

  1. وليس أجر المؤمن على طاعته لربه تكون في الآخرة فقط، بل وفي الدنيا كذلك، وهذا من عظيم فضاه سبحانه وتعالى.

عن أنس بن مالك أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن: فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته “. رواه مسلم ( 2808 ).

قال النووي:

أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات على كفره لا ثواب له في الآخرة, ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا, متقربا إلى الله تعالى, وصرح في هذا الحديث بأن يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات, أي: بما فعله متقربا به إلى الله تعالى مما لا يفتقر صحته إلى النية, كصلة الرحم والصدقة والعتق والضيافة وتسهيل الخيرات ونحوها, وأما المؤمن فيدخر له حسناته وثواب أعماله إلى الآخرة, ويجزى بها مع ذلك أيضا في الدنيا, ولا مانع من جزائه بها في الدنيا والآخرة, وقد ورد الشرع به فيجب اعتقاده.  ” شرح مسلم ” ( 17 / 150 ).

 

فنرجو أن يكون الخوف من الموت دافعًا لفعل الطاعات، وأن يكون فعلها دافعًا لحسن الظن بالله تعالى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة