متى تكون النيّة في الوضوء؟

السؤال

متى ينوي المسلم إذا أراد الوضوء؟ في البداية؟ أم عند غسل الوجه؟ أم يجوز أن ينوي في أي وقت أثناء وضوئه؟.

الجواب

الحمد لله

تكون النية في جميع العبادات مقترنة بالفعل أو متقدمة عليه بزمن يسير، ومن العلماء من توسَّع في وقت النية على تفصيل – وخاصة في الصلاة – سيأتي ذِكره.

ويجب أن يُعلم أن النية محلها القلب، فلا يجوز لأحدٍ أن يجعلها في لسانه، لا في الوضوء ولا في الصلاة ولا في الحج ولا في غيرها من العبادات.

وإذا كانت النية شرط صحة للعبادة فلا يجوز قطعها أثناء القيام بها؛ لأنها تكون بحكم الركن فيها، فهي شرط قبل العبادة وركن في أثنائها.

وقد اختلف العلماء في حكم نية الوضوء فذهب الجمهور إلى كونها شرط صحة، وذهب الحنفية إلى كونها شرط كمال لتحصيل الثواب.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه كان في أول الوضوء يغسل كفيه ثلاثًا مع نية الوضوء، ويسمي؛ لأنه المشروع، وروي عنه صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة أنه قال: ” لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه “.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 10 / 98 ).

قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” ويجب الإتيان بها عند أوَّل واجبات الطَّهارة، وهو التَّسميةُ “، أي:  يجبُ الإتيان بالنيَّة عند أوَّل واجبات الطَّهارة، وهي التَّسمية.

والنيَّة: عزمُ القلب على فعل الطَّاعة تقرُّبًا إلى الله تعالى.

والمؤلِّفُ أراد الكلام على محل النيَّة، أي: متى ينوي الإنسان؟.

وقوله: ” عند ” هذه الكلمة تدلُّ على القُرْب كما في قوله تعالى: { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } [ الأعراف / 206 ] فالعنديَّة تدلُّ على القُرب، وعلى هذا يجب أن تكون النيَّةُ مقترنةً بالفعل، أو متقدِّمةً عليه بزمنٍ يسير، فإن تقدمت بزمن كثير فإنها لا تجزئ.

وقوله: ” عند أوَّل واجبات الطهارة ” لم يقل عند أوَّل فروض الطَّهارة؛ لأن الواجب مقدّمٌ على الفروض في الطَّهارة، والواجب هو التَّسمية.

وهذا على المذهب من أنَّ التسمية واجبةٌ مع الذِّكر.

– وقد سبق بيانُ حكم التسمية والخلاف في ذلك، وبيان أنَّ الصَّحيح أنَّها سُنَّةٌ.

فإذا أراد أن يتوضَّأ فلا بُدَّ أن ينويَ قبل أن يُسمِّيَ، لأن التَّسمية واجبةٌ ….

قوله: ” واستصحاب ذكرها في جميعها ” أي: يُسَنُّ استصحاب ذكرها، والمرادُ ذكرَها بالقلب، أي: يُسَنُّ للإنسان تذكُّرُ النيَّةِ بقلبه في جميع الطَّهارة، فإن غابت عن خاطره فإنه لا يضرُّ؛ لأن استصحاب ذكرها سُنَّةٌ.

ولو سبقَ لسانُه بغير قصده فالمدارُ على ما في القلب.

ولو نوى بقلبه الوُضُوء، لكن عند الفعل نطق بنيَّة العمل؛ فيكون اعتمادُه على عزم قلبه لا على الوهم الذي طرأ عليه، كما لو أراد الحجَّ ودخل في الإحرام بهذه النيَّة؛ لكن سبقَ لسانُه فلبَّى بالعُمْرة فإنَّه على ما نوى.

قوله: ” ويجب استصحابُ حكمها ” معناه: أن لا ينوي قطعها.

فالنيَّةُ إذًا لها أربع حالات باعتبار الاستصحاب:

الأولى: أن يستصحب ذكرها من أوَّل الوُضُوء إلى آخره، وهذا أكمل الأحوال.

الثانية: أن تغيبَ عن خاطره؛ لكنَّه لم ينوِ القَطْعَ، وهذا يُسمَّى’ استصحاب ُحكمِها، أي: بَنَى على الحكم الأوَّل، واستمرَّ عليه.

الثالثة: أن ينويَ قطعها أثناء الوُضُوء، لكن استمرَّ مثلًا في غسل قدميه لتنظيفهما من الطَّين فلا يصحُّ وُضُوءُه؛ لعدم استصحاب الحكم لقطعه النيَّة في أثناء العبادة.

الرابعة: أن ينويَ قطع الوُضُوء بعد انتهائه من جميع أعضائه، فهذا لا يَنْتقضُ وُضُوءُه؛ لأنَّه نوى القطع بعد تمام الفعل.

ولهذا لو نوى قطعَ الصَّلاةِ بعد انتهائها، فإنَّ صلاته لا تنقطع…

وهنا مسألةٌ مهمَّةٌ وهي: لو نوى فرض الوقت دون تعيين الصَّلاة، وهذه تقع كثيرًا، فلو جاء إنسان مثلاً لصلاة الظُّهر؛ ووجد الناس يُصلُّون ودخل معهم في تلك الساعة؛ ولم يستحضر أنَّها الظُّهر، أو الفجر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، إنما استحضر أنَّها فرض الوقت.

فالمذهب: لا يجزئه؛ لأنه لابُدَّ أن يُعيِّنَ إما الظُّهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الصُّبح.

وعن أحمد رواية: أنه إذا نوى فرض الوقت أجزأه، ذكرها ابن رجب في ” جامع العلوم والحكم ” واختارها بعض الأصحاب.

وهذا لا يسعُ النَّاس العمل إلا به؛ لأنَّه كثيرًا ما يغيب عن الإنسان تعيينُ الصَّلاة، لكن نيَّته هو أنَّها فرض الوقت.

” الشرح الممتع ” ( 1 / 203 – 207 ) مختصرًا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة