يبحث عن المواقع السيئة ليراسل مراكز حجبها فهل أحسن أم أساء؟
السؤال
أني كنت أتصفح الشبكة مستهدفًا المواقع غير الأخلاقية وأرسلها بعد ذلك إلى مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا ليقوموا بحجبها.
فهل يحسب هذا العمل لصالحي أم لا؟.
الجواب
الحمد لله
نشكر للأخ الفاضل غيرته على المحارم وبغضه للمعصية، وحبه لمحاربتها وتخليص الناس من شرورها، لكننا لا ننصحه بتتبع مواقع الفساد من أجل التبليغ عنها لحجبها؛ وذلك لأسباب كثيرة ظننا أن واحدا منها يكفي الأخ لترك هذا الفعل، لكننا نذكر ما تيسر منها له ولغيره، ومنها:
- إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء فتنة، ولا شك أن فتنة النساء العاريات وفي أوضاع مخلة أقرب لفتنة الناظر.
عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء “. رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).
- أن المسلم مأمور بالابتعاد عن أماكن الفتنة، والفرار من مواضعها، والبعد عن أهلها، ولا شك أن تتبع هذه المواقع مخالف لكل هذا.
عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من سمع بالدجال فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات – أو: لما يبعث به من الشبهات – ” هكذا قال. رواه أبو داود ( 4319 ). والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6301 ).
قال ابن الجوزي – رحمه الله -:
واحذر – رحمك الله – أن تتعرض لسبب لبلاء، فبعيد أن يسلم مقارب الفتنة منها، وكما أن الحذر مقرون بالنجاة: فالتعرض للفتنة مقرون بالعطب، وندر من يسلم من الفتنة مع مقاربتها على أنه لا يسلم من تفكر وتصور وهمٍّ.
” ذم الهوى ” ( ص 126 ).
- أن المسلم مأمور بغض البصر عن المحرمات، وهذه التصفحات للمواقع الإباحية وما فيها من النظر إلى المحرمات تخالف هذا الأمر.
قال الله تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [ النور / 30 ].
قال ابن كثير – رحمه الله –:
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم فإن اتفق أن وقع بصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري.
” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 282 ).
- وقد ثبت النص الصحيح في النهي عن النظر إلى عورة الرجل من قبَل الرجل، فما بالك بنظره إلى عورة المرأة؟.
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد.
رواه مسلم ( 338 ).
- أن المسلم ليس له إلا النظرة الأولى، وتكرار النظر في المواقع الفاسدة يخالف هذا.
عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ” يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة “. رواه الترمذي (2777 ) وأبو داود ( 2149 ). والحديث: حسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1903 ).
وعن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم ( 2159 ).
قال النووي:
ومعنى ” نظر الفجأة “: أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال فإن صرف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم لهذا الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم أمره بأن يصرف بصره مع قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } …
ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي وهو حالة الشهادة والمداواة وإرادة خطبتها أو شراء الجارية أو المعاملة بالبيع والشراء وغيرهما ونحو ذلك وإنما يباح في جميع هذا قدر الحاجة دون ما زاد والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 14 / 139 ).
- أن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّى نظر الحرام بـ ” زنا العين “، وهو بالإضافة لكونه حرامًا من جهة التعدي في النظر فهو – أيضًا – كفرٌ بالنعمة التي وهبها الله للمسلم.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه “.
رواه البخاري ( 5899 ) ومسلم ( 2657 ).
قال النووي:
معنى الحديث: أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا فمنهم من يكون زناه حقيقيًّا بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازًا بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله أو بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده أو يقبلها أو بالمشي بالرجل إلى الزنا أو النظر أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك أو بالفكر بالقلب، فكل هذه أنواع من الزنا المجازي.
” والفرج يصدِّق ذلك كله أو يكذبه ” معناه: أنه قد يحقق الزنا بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك، والله اعلم.
” شرح مسلم ” ( 16 / 206 ).
- أن المواقع الإباحية من المتوقع أن تكون ( 8 ) مليارات! فقد كانت حوالي نصف مليار عام 1998 م فكيف بها الآن؟ فلو أعطى كل موقع نظرة واحدة، فكيف سيكون حال قلبه؟ وكم سيستغرق من الأوقات لتتبعها؟ لذا لا نشك لحظة في حرمة هذا الأمر، وأن مثل هذا الفعل سبيل لهلاك القلب والبدن والوقت.
- أن تتابع النظر إلى تلك المواقع الفاسدة والمثيرة قد يودي بصاحبها لتعلق القلب بهن فيستحكم العشق المحرم على قلبه فيفسده، فيكون قد عرَّض نفسه لفتنة وهلاك بعد أن كان سالمًا معافى.
قال ابن الجوزي – رحمه الله -:
وقد يتعرض الإنسان لأسباب العشق فيعشق، فإنه قد يرى الشخص فلا توجب رؤيته محبته فيديم النظر والمخالطة فيقع ما لم يكن في حسابه، ومن الناس من توجب له الرؤية نوع محبة، فيعرض عن المحبوب فيزول ذلك، فإن داوم النظر نمت، كالجنة إذا زرعت فإنها إن أهملت يبست وإن سقيت نمت.
” ذم الهوى ” ( ص 237 ).
وقال ابن القيم – رحمه الله -:
وكلما تواصلت النظرات وتتابعت كلما زاد تعلق القلب وهيجانه، مثل المياه تسقى بها الشجرة فإذا أكثر من المياه فإنها تفسد الشجرة، وكذلك النظر إذا كرر وأعيد فإنه يفسد القلب لا محالة فإذا تعرض القلب لهذا البلاء فإنه يعرض عما أمر به ويخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن، ويلقي القلب في التلف، والسبب في هذا: أن الناظر التذت عينه بأول نظرة فطلبت المعاودة كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة، ولو أنه غض أولًا لاستراح قلبه وسلِم.
” روضة المحبين ” ( ص 94، 95 ).
وقال – رحمه الله -:
إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق كما قال الله تعالى عن عشاق الصور { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } فالنظرة كأس من خمر، والعشق هو سكر ذلك الشراب، وسكر العشق أعظم من سكر الخمر؛ فإن سكران الخمر يفيق وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات. ” روضة المحبين ” ( ص 104 ).
- أن تتابع النظر إلى تلك المواقع الهابطة قد يؤدي بصاحبها إلى الوقوع في الحرام، بل إلى تقليد ما يراه، فالبداية النظر والنهاية الوقوع في المحظور.
قال ابن القيم:
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع مانع، ولهذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده.
كـل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك الســهام بلا قوس و لا وتر
والعبــد ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسـر مقلته ما ضـر مهجـته لا مـرحبا بسرور عاد بالضـرر
” الجواب الكافي ” ( ص 106 ).
- وفي تتابع النظر إلى تلك المواقع الفاسدة مضار أخرى من جوانب متعددة، ومنها: موت الإحساس؛ لأن ” كثرة المساس تفقد الإحساس ” – كما يقولون – فلن يعود هذا الأمر منكرًا – بعد فترة – وستتعود على النظر، وهو علامة على موت القلب وفقدان الحس الشرعي تجاه المعصية، ومنها: تعريض النفس للتهمة، فقد يراك أحدٌ دخلت هذه المواقع، أو قد تُرى في جهازك من قبَل آخرين، وفي هذا تعريض للنفس للتهمة.
وفي نهاية الجواب نقول:
إن حسن ظننا بإخواننا هو الابتعاد عن تتبع مواقع الفساد هذه، ولو من أجل التبليغ عنها، فإن هذا السبب يُزيَّن في نفسه من أجل الوصول إلى ما بعده من منكرات.
وقد وجدت طرق فنية تغني المسلم عن تتبع مثل هذه المواقع، كما أنه يوجد لجان مختصة في بعض الدوائر الحكومية أو الشركات المزودة تقوم بحجب هذه المواقع، ولا شك أن ما تراه لجنة في موقع عمل ليس كمن يرى هذه المواقع وحيدًا في بيته، ففعله أدعى للوقوع فيما ذكرناه من مفاسد.
ولسنا نتكلم عن خيال ولا وهم ولا توقع لمستحيل أو بعيد، ففي كل يوم – تقريبًا – نسمع حكاية شاب مستقيم افتتن بمثل هذه المواقع، فبدأ بالنظر، ثم قتل وقته فيها، وزهد في الحلال – إذ غالبيتهم من المتزوجين – حتى صار جنديًّا من جنود إبليس.
وأنت – أخي الفاضل – في غنى عن هذا كله، واسلم برأس مالك، ولا تضيعه عليك، ونسأل الله تعالى أن يكتب لك الأجر كاملًا، وأن يثبتك على الحق والهدى.
والله أعلم.


