هل يجوز قتل عملاء اليهود الذين يتجسسون على المسلمين؟

السؤال

ظهرت في انتفاضة الأقصى عندنا في أرض فلسطين ظاهرة العملاء ( الخونة ) الذين يزودون اليهود بمعلومات عن المجاهدين، وغالبًا يتسببون بمقتلهم أو اعتقالهم، ويدور نقاش حول جواز قتل هؤلاء العملاء أم لا، فبعض المشايخ يقولون: لا يجوز، وأن هذه مهمة ولي الأمر، فكيف بالله عليكم إذا كان ولي الأمر نفسه مواليًا ليهود ويعتقل ويضرب المجاهدين مثلهم؟!!!.

والكثير من المشايخ يتهربون من الإجابة على هذا السؤال، علمًا بأن الأمر خطير وكما علمنا مشايخنا الكرام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ” إن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة “، كما أننا نرى أن المجاهدين الشيشان يقومون بقتل مثل هؤلاء ونحن نحسب أن هؤلاء المجاهدين على طريق أهل السنة و الجماعة.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز ادِّعاء الجاسوسية والخيانة لأحدٍ إلا ببينة شرعية، وقد ثبت في حوادث متعددة وجود أهواء وإحن شخصية في ادعاء مثل هذه المزاعم على أحدٍ من الناس للتخلص منه، وهذا حرام لا يجوز إلا بإثبات ذلك ببينة شرعية لا يتطرق إليها الشك، كإقراره من غير إكراه أو شهادة اثنين من ذوي العدالة.

ثانيًا:

يجب عرض التوبة على من ثبت عليه القيام بهذا الفعل الشنيع – وهو الجاسوسية للكفار والخيانة للمسلمين –؛ فالإسلام دين الرحمة، ومن وقع في مثل هذا الفعل فقد يكون مكرَهًا بسبب التهديد بعرضه أو بقتله، وليس ما قام به ذا تأثير على المسلمين، وقد يكون ما قام به قد أثَّر فعلًا عليهم، فالواجب – حينئذٍ – عرض التوبة عليه، وقد يستفيد منه المسلمون في التجسس العكسي بمعنى أن يُظهر أنه لا يزال مع الكفار لإخبار المسلمين بأحوال أعدائهم، أو لكشف غيره من الجواسيس والخونة.

ثالثًا:

نرى تناقضات فيما يحدث في ” فلسطين ” من قِبَل من يقوم بقتل الجواسيس والخونة، ومن هذه التناقضات: أن الذي يقوم بالقتل لا يصلون! بل بعضهم ينتمي لأحزاب واتجاهات شيوعية ملحدة، وهؤلاء مرتدون بالاتفاق، وليس ثمة اتفاق على ردة الجاسوس.

وتناقض آخر: أنه يكثر في تلك البلاد – وللأسف – سب الرب والدين! وقد نقلت الفضائيات – قريبًا – حرق مجموعة منهم لبعض الأبنية ممن زُعمت عمالتهم، وقد ظهر صوت المقاتلين الحارقين لها وهو يتنقص الرب عز وجل، كما يكثر هذا من الناس ولا نرى غضبة من هؤلاء لإقامة حد الردة على هؤلاء السابِّين لرب العالمين.

رابعًا:

الأصل في الحدود أنه لا يقيمها إلا الحاكم الشرعي، وقد نُقل الإجماع على هذا.

قال القرطبي – رحمه الله –:

لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود.

” تفسير القرطبي ” ( 2 / 245 ، 246 ).

ولكن في مثل هذه الظروف يجوز للمجموعة المسلمة المجاهدة أن تشكِّل هيئةً شرعيَّة تقوم بالتحقيق في إثبات التهمة على هؤلاء، ومن ثَمَّ يطبَّق عليهم الحكم المناسب، ونرى – كما سبق – أن يُبدأ بالاستتابة فإن تاب قُبل منه، وقد ينفع المسلمين بقاؤه أكثر من قتله.

خامسًا:

ولتعلم أن جمهور أهل العلم على عدم جواز قتل الجاسوس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله، وخالف فيه الإمام مالك فرأى قتله، وقد رجَّح ابن القيم – رحمه الله – أن قتله راجع لرأي الإمام لا أنه حدٌّ يقام عليه في كل حال.

قال ابن القيم:

قال ابن القيم – في كلامه على حديث حاطب بن أبي بلتعة :

استدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله، واستدل به من يرى قتله كمالك وابن عقيل من أصحاب أحمد رحمه الله وغيرهما، قالوا: لأنه علل بعلة مانعة من القتل منفية في غيره – وهي شهود غزوة بدر – ولو كان الإسلام مانعًا من قتله لم يعلل بأخص منه لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير، وهذا أقوى، والله أعلم. ” زاد المعاد ” ( 3 / 115 ).

وقال في موضع آخر:

والصحيح أن قتله – يعني الجاسوس – راجع إلى رأي الإمام، فإن كان قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه، والله أعلم.

” زاد المعاد ” ( 3 / 423 ).

سادسًا:

وإذا ثبتت التهمة على الجاسوس وحكم عليه أهل العلم من الهيئة الشرعية بالقتل تأديباً لغيره فالواجب أن يُحسن في قتله، ولا يجوز التمثيل بجثته.

عن شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتُهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته فليرح ذبيحته “. رواه مسلم ( 1955 ).

عن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا “. رواه مسلم ( 1731 ).

– ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين ويذل الكفرة والكافرين.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة