تخاف على أبنائها في بلاد الكفر وتود الرجوع إلى أهلها وزوجها رافض

السؤال

لدي استشارة مستعجلة وأرجو أن أجد لديكم ما يزيل عني الغموض وينير لي طريق الحق فأتبعه دون تردد، أنا مسلمة محجبة الحجاب الكامل، متزوجة منذ 13 عامًا، ولدي ستة أولاد أكبرهم بنت في الثانية عشرة، أعيش في أوربا مع زوجي الذي نشأ في هذا البلد، وأعاني من انعدام الحوار والنقاش مع زوجي بخصوص تربية الأولاد مع اختلاف شديد في سبل التربية، مشكلتي أنني منذ سنوات عدة أطلب من زوجي أن يسمح لي بالعودة إلى بلدي مع الأولاد لأفر بهم من الفتن وأوفر لهم المحيط المعين على تطبيق شعائر الإسلام، ولكنه دائمًا يقابلني بالرفض محتجًّا تارة بأن الفساد في كل مكان وأن بعدهم عنه مع شدته سيؤدي بهم إلى التحلل والتحرر واغتنام الفرصة لفعل ما يحلو لهم لغياب الرقيب، وتارة أخرى بالفقر في بلدنا وغلاء المعيشة والرشوة والظلم وأشياء أخرى.

أنا أؤمن بأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وأؤمن أنه من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، وأن من يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، وكل ما يتعلق بهذه الأمور الغيبية، وأريد أن أهاجر إلى بلاد الإسلام مهما كثر الفساد فليس هذا مبررًا للبقاء في الغرب حيث لا أضمن صلاح أولادي إطلاقًا، إضافة إلى أن زوجي لا يوفر لنا الجو الإيماني ولا الحياة الإسلامية التي كنت ولا زلت أتمناها لي ولذريتي، ولا حتى الحياة النفسية السعيدة، فإننا نعيش دوما تحت الضغوط لعدم توافق الرؤية المستقبلية والأهداف بيني وبين زوجي مما جعلني أشعر دومًا بالوحدة والاكتئاب والخوف من المستقبل، مع إيماني بالله بأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، ولكن عدم فعل الأسباب يؤرقني ويقض مضجعي ويجعلني في حيرة من أمري، ولا أدري أين الصواب من الخطأ، وما هو التصرف المناسب الذي يرضي الله أولًا، ويضفي على حياتي وأولادي السعادة والاستقامة.

أنا أنوي في هذه العطلة إن ذهبت إلى أهلي أن أبقى عندهم ولا أرجع مع زوجي حفاظًا على نفسي وأولادي لأنني إن رجعت معه سأضطر إلى كشف وجهي لأعيش حياة عادية ومستقرة، وهذا ما أرفضه دوما، وما يجعلني أختار الرجوع إلى بلدي إضافة إلى ما سبق: قرب بلوغ ابنتي وفرضية الحجاب، علما أنه ممنوع في المدارس عندنا.

فأرجو توجيهي إلى الصواب، هل أنا على حق أم لا؟ وهل طاعة الزوج في هذه الحالة مقدمة على الهجرة حفاظًا على الدين؟ وكيف أضمن صلاح أولادي بعيدًا عن أبيهم؟ وهل شكي في هذا قدح في التوكل؟ وهل أنا مسؤولة عن أولادي ويجب علي أن أوفر لهم المحيط الذي يعينهم على الاستقامة تطبيقًا لحديث ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ” ولو أدى ذلك لعصيان الزوج وعدم مسايرته فيما يراه?.

أنا في حيرة شديدة ودوامة لا أجد لها مخرجًا، فهلا أرشدتموني إلى الحق فأتبعه، وجزاكم الله عني خير الجزاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب

الحمد لله

عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه “.

من هذا الحديث الشريف – والذي يعتبر قاعدة أساسية في التربية – نستنتج أن تربية الوالدين للأبناء هي التي تثبت فطرة الله التي فطرَ الناس عليها في نفوس الأبناء، أو تنحرف بهذه الفطرة وتغيرها إلى يهودية أو نصرانية أو مجوسية، وليس ذكر هذه الملل للحصر، وإنما يقاس عليها كل مذهب أو ملة تنحرف عن فطرة الإسلام كالإلحاد أو اللادينية والوجودية والطبيعية والمادية والإباحية، وغيرها من المذاهب والملل التي تنافي وتخالف فطرة الله وتحارب دينه وشرعه.

ويضاف إلى ذلك أن الوالدين هما اللذان ينشّئان الأبناء على صفات الخير أو صفات الشر، فهما اللذان ينشئان عالمًا أو جاهلًا، صالحًا أو فاسدًا، مستقيمًا أو فاسقًا، وذلك بالتربية والتعليم والتأديب والقدوة الحسنة.

إن مسؤولية الوالدين عن تربية أبنائهم مسؤولية عظيمة أمام الله سبحانه وتعالى، وسوف يُسألون غدًا عن هؤلاء الأبناء.

فالأبناء أمانة لدى الآباء، إن هم أحسنوا إليهم أثيبوا، وإن قصروا استوجبوا العقوبة؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة }؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: ” كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته … والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها “.

ويعلم كل فرد منا أن البيئة لها أثر في حياة الإنسان وسلوكياته وعاداته، فمتى صلحت البيئة المحيطة به صلح المجتمع بأكمله، ومتى فسدت البيئة فسد المجتمع بأكمله، لذلك فالمولود عندما يخرج للحياة فهو يكون مولودًا على الفطرة ولكنه يتأثر بمن حوله وهما أبواه.

المعلوم أن بلاد الكفر هي بلاد غير مأمونة، لا على العرض ولا على المال، ولا على الأولاد، وهذا ما دفع الزوجة إلى رفض الإقامة مع زوجها في بلد الكفر.

والمرجو من الزوجة أن تتفاهم مع زوجها لتبين نسبة الخطر والضرر المترتب على إقامتهم في هذه البلاد.

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم وأخلاقه وسلوكه وآدابه، وقد شاهدنا وغيرُنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك، فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فساقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان – وبعضهم بالله – حتى صاروا إلى الجحود المطلق، والاستهزاء بالدين وأهله، السابقين منهم واللاحقين.

ولهذا: كان ينبغي – بل يتعين – التحفظ من ذلك، ووضع الشروط التي تمنع من الهوى في تلك المهالك.

فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسيين:

الشرط الأول:

أمن المقيم على دينه، بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه، والحذر من الانحراف والزيغ، وأن يكون مضمرًا لعداوة الكافرين وبغضهم، مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم.

الشرط الثاني:

أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يُمْنع من إقامة الصلاة، والجمعة والجماعات، إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج، وغيرها من شعائر الدين.

فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة، لوجوب الهجرة حينئذ.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( فتوى رقم 388 ).

والذي يظهر هو تخلف هذين الشرطين في إقامتكم في تلك البلاد، فها هي الزوجة لا تستطيع ستر وجهها، وها هي تخبر أن ابنتكم لن تلبس الحجاب في المدرسة لأنه ممنوع، مع ما نعلمه من تفسخ تلك البلاد، وإطلاق الحريات البهيمية للجميع ليعتقدوا ما يشاؤون ويفعلوا ما يريدون، فتتخذ البنت عشيقًا لها ولا يستطيع الأهل منعها، ويتخذ الابن عشيقة له ولا يستطيع الأهل أن يقفوا في وجهه لمنعه، والقصص الكثيرة المتواترة تغنينا عن ذكر بعضها.

وقد اشتد حرص السلف على مباشرة مهمة تربية الأبناء، كما ذكر أن الخليفة العباسي المنصور بعث إلى من في السجن من بني أمية يقول لهم: ما أشد ما مر بكم في هذا السجن؟ قالوا: ما فقدنا من تربية أولادنا.

ويظن بعض من يعيش في بلاد الكفر أن تربية الأبناء والقيام على هذه الأمانة هو بتوفير الطعام والشراب واللباس والسكن لهم، وهو تصور باطل بعيد كل البعد عن شرع الله.

قال الشيخ ابن باز – رحمه الله -:

الإحسان إلى البنات – ونحوهن – يكون بتربيتهن التربية الإسلامية، وتعليمهن، وتنشئتهن على الحق، والحرص على عفتهن، وبُعدهن عما حرم الله من التبرج وغيره، وهكذا تربية الأخوات والأولاد الذكور، إلى غير ذلك من وجوه الإحسان، حتى يتربى الجميع على طاعة الله ورسوله، والبعد عما حرم الله، والقيام بحق الله سبحانه وتعالى، وبذلك يعلم أنه ليس المقصود مجرد الإحسان بالأكل والشرب والكسوة فقط، بل المراد ما هو أعم من ذلك من الإحسان إليهن في عمل الدين والدنيا. ” مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز ” ( 4 / 377 ).

وقد تصبو النفس إلى هذه البلاد وتغتر بها لما فيها من المال الوفير والزينة الظاهرة، لكن ما يتركه المسلم لأجله هو أعظم وأغلى وأعلى من كل ما في تلك البلاد، وإذا احتسب ترك ذلك لله تعالى فليبشر ببدل عظيم في الدنيا والآخرة، فمن ترك شيئًا لله: عوَّضه الله خيرًا منه في الدنيا والآخرة.

والخلاصة:

أنه يجب أن تضعوا نصب أعينكم تربية أبنائكم على الإسلام، ولتعلموا أن بلاد الكفر لن تصلح لهذا الأمر العظيم، فما فيها من فساد وانحلال وتفسخ لا يخفى على أحد، مع ما زاد عليه – الآن – من إظهار الحرب على الإسلام.

وبلاد الإسلام مع ما فيها من فقر وانحراف فإنها خير من تلك البلاد بمراحل كثيرة، فيكفي أنك تسمع صوت الأذان، وتقيم شعائر الإسلام الظاهرة الأخرى، ولا يكون المسلم فيها غريبًا شاذًّا.

وأرى أنه إذا لم يوافق زوجك على هذا: وكان أمر تربية أبنائك في بلدك متحققًا: أن لا ترجعي معه إلى تلك البلاد، ولعله أن يغيِّر رأيه بعد فترة يسيرة عندما يرى نفسه وحيدًا بعيدًا عن أسرته.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة