هل يجب على هؤلاء الصوم؟ وهل يلزمهم القضاء؟

السؤال

هناك صبي كان يصوم رمضان قبل أن يبلغ، وفي أثناء صومه في نهار رمضان بلغ, فهل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ وكذلك الكافر إذا أسلم؟ وكذلك الحائض إذا طهرت؟ وكذلك المجنون إذا أفاق؟ وكذلك المسافر إذا عاد وكان مفطرًا؟ وكذلك المريض إذا تعافى وكان قد أفطر؟ فماذا على هؤلاء من حيث الإمساك في ذلك اليوم والقضاء؟.

الجواب

الحمد لله

ليس من ذُكر في السؤال على حكم واحد، ولذا فإن أحكامهم مختلفة من حيث الإمساك والقضاء، فبلوغ الصبي؛ وإسلام الكافر؛ وإفاقة المجنون لها حكم واحد، يلزمهم الإمساك ولا يجب عليهم القضاء.

وأما الحائض تطهر؛ والمسافر يقيم؛ والمريض يبرأ, فليس عليهم الإمساك ولا يستفيدون بإمساكهم شيئًا، ويجب عليهم القضاء.

والفرق بين المجموعة الأولى والثانية: أن المجموعة الأولى تجدد لهم سبب الوجوب فلزمهم الصيام، وكانوا معذورين قبل ذلك فلم يلزمهم القضاء.

وأما المجموعة الثانية فإنهم مخاطبون بالصيام؛ لذا كان واجباً في حقهم، لكن وُجد عندهم المانع وهو الحيض والسفر والمرض فعذروا في الإفطار، فإذا زالت موانعهم أثناء النهار لم يستفيدوا شيئًا من إمساكهم، ولزمهم القضاء بعد رمضان.

وفيما ذكرناه من المسائل خلاف بين العلماء – رحمهم الله –, لكننا نرى أن هذا هو الراجح من أقوالهم، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -، وسنذكر فيما يأتي فتاواه في هذه المسائل.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى :

إذا قدم المسافر لبلد غير بلده فهل ينقطع سفره؟.

فأجاب بقوله:

إذا قدم المسافر لبلد غير بلده لم ينقطع سفره، فيجوز له الفطر في رمضان وإن بقي جميع الشهر، أما إذا قدم إلى بلده وهو مفطر: فإنه لا يجب عليه الإمساك، فله أن يأكل ويشرب بقية يومه؛ لأن إمساكه لا يفيده شيئًا لوجوب قضاء هذا اليوم عليه، هذا هو القول الصحيح، وهو مذهب مالك والشافعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد – رحمه الله -, لكن لا ينبغي له أن يأكل ويشرب علنًا.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 58 ).

وسئل الشيخ رحمه الله تعالى :

إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء النهار هل يجب عليها الإمساك؟.

فأجاب بقوله:

إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء النهار لم يجب عليها الإمساك، ولها أن تأكل وتشرب؛ لأن إمساكها لا يفيدها شيئاً لوجوب قضاء هذا اليوم عليها، وهذا مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال: ” من أكل أول النهار فليأكل آخره “، يعني: من جاز له الفطر أول النهار جاز له الفطر في آخره.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 59 ).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

من أفطر في نهار رمضان لعذر شرعي, فهل يجوز له أن يأكل ويشرب بقية اليوم؟.

فأجاب بقوله:

يجوز له أن يأكل ويشرب؛ لأنه أفطر بعذر شرعي، وإذا أفطر بعذر شرعي فقد زالت حرمة اليوم في حقه، وصار له أن يأكل ويشرب، بخلاف الرجل الذي أفطر في نهار رمضان بدون عذر، فإنا نلزمه بالإمساك، وإن كان يلزمه القضاء، فيجب التنبه للفرق بين هاتين المسألتين.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 60 ).

وتعقيبًا على بعض أجوبة الشيخ – رحمه الله – السابقة:

سئل رحمه الله تعالى :

أشرتم إلى الخلاف في إمساك الحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء النهار فهل من يستدل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أوجب صوم عاشوراء أمر من كان أكل بعد أن أصبح بالإمساك استدلاله صحيح؟.

فأجاب بقوله:

ذكرنا أثناء بحثنا في الصيام أن المرأة إذا كانت حائضاً وطهرت في أثناء النهار: فإن العلماء اختلفوا هل يجب عليها أن تمسك بقية اليوم فلا تأكل ولا تشرب، أو يجوز لها أن تأكل وتشرب بقية اليوم، وقلنا: إن في ذلك روايتين عن الإمام أحمد – رحمه الله -:

إحداهما: – وهي المشهور من المذهب – أنه يجب عليها الإمساك، فلا تأكل ولا تشرب.

والثانية: أنه لا يجب عليها الإمساك، فيجوز لها أن تأكل وتشرب، وقلنا: إن هذه الثانية هي مذهب مالك والشافعي – رحمهما الله -، وإن ذلك هو المروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – فإنه قال: ” من أكل أول النهار فليأكل آخره “، وقلنا: إن الواجب على طالب العلم في مسائل الخلاف الواجب عليه أن ينظر في الأدلة، وأن يأخذ بما ترجح عنده منها، وأن لا يبالي بخلاف أحد ما دام أن الدليل معه؛ لأننا نحن مأمورون باتباع الرسل؛ لقوله تعالى: ( وَيَوْمَ يُنَـادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ) .

وأما الاحتجاج بما صح به الحديث حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء في أثناء اليوم، فأمسك الناس بقية يومهم، نقول: لا مستند لهم في هذا الحديث؛ لأن صوم يوم عاشوراء ليس فيه زوال مانع، وإنما فيه تجدد وجوب، وفرق بين زوال المانع وتجدد الوجوب؛ لأن تجدد الوجوب معناه أن الحكم لم يثبت قبل [ وجود ] سببه، وأما زوال المانع فمعناه أن الحكم ثابت مع المانع لولا هذا المانع ومادام هذا المانع موجوداً مع وجود أسباب الحكم، فمعناه أن هذا المانع لا يمكن أن يصح معه الفعل لوجوده، ونظير هذه المسألة التي أوردها السائل نظيرها: ما لو أسلم إنسان في أثناء اليوم، فإن هذا الذي أسلم تجدد له الوجوب، ونظيرها أيضاً: ما لو بلغ الصبي في أثناء اليوم وهو مفطر، فإن هذا تجدد له الوجوب فنقول لمن أسلم في أثناء النهار: يجب عليك الإمساك، ولكن لا يجب عليك القضاء، ونقول للصبي إذا بلغ في أثناء النهار: يجب عليك الإمساك، ولا يجب عليك القضاء، بخلاف الحائض إذا طهرت، فإنه بإجماع أهل العلم يجب عليها القضاء، الحائض إذا طهرت أثناء النهار أجمع العلماء على أنها إن أمسكت بقية اليوم لا ينفعها هذا الإمساك ولا يكون صوماً، وأن عليها القضاء، وبهذا عرف الفرق بين تجدد الوجوب وبين زوال المانع، فمسألة الحائض إذا طهرت من باب زوال المانع، ومسألة الصبي إذا بلغ أو ما ذكره السائل من إيجاب صوم يوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، هذا من باب تجدد الوجوب، والله الموفق.  ” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 60 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة