سيسافر من بلدة إلى أخرى ويعود في نفس اليوم فهل له الفطر؟
السؤال
سوف أسافر من أمستردام إلى باريس والعودة في نفس اليوم، هل يجوز لي أن أفطر في ذلك اليوم؟.
الجواب
الحمد لله
المسافر من الذين رخَّص الله لهم الفطر في رمضان، قال الله تعالى: ( … فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ … } [ البقرة / من الآية 185 ] .
وهذه الرخصة للمسافر هي في مطلق السفر، ولا فرق بين كون السفر شاقًّا أو سهلاً، ولا فرق بين أن يطول أو يقصر، بل لو تكرر السفر في اليوم الواحد مرتين أو ثلاثة – مثل أصحاب سيارات الأجرة – فجائز له الترخص بالفطر فيه.
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:
والمسافر لا يجب عليه الصوم أداء، بل يجوز له أن يصوم في السفر، ويجوز أن يفطر ويقضي الأيام التي أفطرها إذا انتهى سفره … .
أما إن كان على المسافر مشقة في الصوم فإن الصوم يكون مكروهاً في حقه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى رجلاً قد ظلل عليه في السفر وازدحم الناس عليه، وقالوا: إنه صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ليس من البر الصيام في السفر “.
وإذا خرج المسافر من بلده صائماً فله أن يفطر بقية يومه، ويقضيه بعد رجوعه مع الأيام التي أفطرها فيما بعد.
وإذا قدم المسافر إلى بلده وهو مفطر لم يلزمه الإمساك بقية ذلك اليوم؛ لأنه لا يستفيد بهذا الإمساك شيئاً، والفطر مباح له في أول النهار ظاهراً وباطناً، فكان مباحاً له في آخره، ولذلك يروى عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال: ” من أكل أول النهار فليأكل آخره “، ذكره في ” المغني ” ولم يتعقبه، وهذا مذهب مالك والشافعي – رحمهما الله – وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد – رحمه الله – والرواية الثانية عن أحمد: يلزمه الإمساك، وإن كان لا يستفيد به شيئاً من حيث سقوط القضاء عنه.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / 29 – 31 ) باختصار.
وقال – رحمه الله -:
الأفضل للمسافر أن يصوم إلا إذا وجد مشقة فإنه يفطر، والدليل على أن الأفضل أن يصوم:
أولًا: أنه فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، قال أبو الدرداء – رضي الله عنه -: ” كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرٍّ شديدٍ حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة “. رواه مسلم.
ثانيًا: ولأنه إذا صام كان أيسر عليه؛ لأن القضاء يكون على الإنسان أصعب – غالباً – من الأداء في وقته؛ لأنه إذا صام في رمضان صار موافقاً للناس في صيامهم، فيكون ذلك أسهل عليه، والله عز وجل حينما فرض على عباده الصيام قال: ( يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ).
ثالثًا: ولأنه إذا صام رمضان في السفر كان أسرع في إبراء ذمته، إذ أن الإنسان لا يدري ماذا يعتريه بعد رمضان، فيكون صومه أسرع في إبراء الذمة.
وهناك فائدة رابعة: وهي أنه إذا صام في رمضان فقد صام في الوقت الفاضل – وهو رمضان – ولكن مع المشقة لا يصوم وهو مسافر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ” ما هذا؟ ” قالوا: صائم، قال: ” ليس من البر الصيام في السفر”, قال ذلك لمن يصوم في السفر وقد شق عليه؛ ولهذا لما نزل منزلاً ذات يوم سقط الصوام لأنهم متعبون، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ذهب المفطرون اليوم بالأجر “. رواه مسلم.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 112 ).
والله أعلم.


