حكم إعادة التمويل مع البنك نفسه لأجل سداد الديْن الأول ولغير السداد.

السؤال

تورقت من ” الراجحي ” مبلغًا وقدره ( 15 ألف ) ريالًا، وأريد الاستدانة من رجل لتسديد البنك، ثم آخذ مبلغًا من نفس البنك وقدره – تقريبًا – ( 50 ألف ) ريال، ثم أسدد الذي استدنت منه من نفس المبلغ المأخوذ من البنك وأستفيد من باقي المبلغ، هل هذه العملية جائزة؟.

ثانيًا: قد قرأت في بعض الفتاوى: من شروط التورق: عدم بيع السلعة لنفس البنك، ولكن إذا كانت السلعة أسهمًا تعرض في سوق الأسهم ويتم شراؤها ولا نعلم من قام بشرائه هل هو البنك أم شخص آخر، فهل يكون ممنوعًا؟.

ثالثًا: هل يجوز إعادة التورق من نفس البنك دون سداد التورق الأول علمًا بأن كلاًّ منهما منفرد عن الآخر حتى في القسط ولا أُلزم بسداد التورق الأول من التورق الثاني من قبل البنك هل هذا يعتبر من قلب الدَّيْن؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

بما أن الأسئلة الثلاثة في ” التورق “: فينبغي أن يُعلم أن التورق هو شراء سلعة بالأجل ثم بيعها على آخر بسعر أقل – عادة -، فإن باعها للبائع الأول نفسه: فهي بيع عِينة وهو بيع محرَّم، وسميت بـ ” العينة ” لأن عيْن السلعة التي باعها رجعت إليه بعينها.

وقصد الفاعل من التورُّق: الحصول على النقد، وهذا معنى الكلمة – كالتعلم يعني الحصول على العلم -، و” الورِق ” هو: النقد من الفضة.

– وقد اختُلف العلماء في حكمها، والراجح: أنها جائزة بشروط.

ثانيًا:

والتورق نوعان: التورق العادي، والتورق المنظم الذي تجريه بنوك للأسف أنها تدَّعي أنها ” بنوك إسلامية “! وهذا التورق المنظم فيه تحايل على الشرع للوصول إلى القرض الربوي، فيشتري العميل من البنك بضاعة – وقد تكون بضاعة وهمية كالمعادن! بالأجل – ثم يوكِّله ببيعها! وهو – كذلك – بيع ” عِينة “؛ لأن مصدر المال في الحالتين هو البنك نفسه.

وقد صدر قرارٌ من ” المجمعِ الفقهي الإسلامي ” وفيه تحذيرٌ وتنبيهٌ للمصارفِ من استغلالِ حل معاملةِ التورق العادي على غيرِ وجهها الشرعي، ونَصَّ القرارُ على أن التورق المنظم الذي تجريه بعض البنوك محرم.

وعليه: فإذا كانت السلعة التي تريد التورق بها مملوكة أصلًا للبنك، أو يحل له التصرف بها بيعًا، وهي مباحة الشراء – كالسيارات وأسهم الشركات النقية -: فلا حرج من معاملة تلك البنوك، على أن لا تبيع ما اشتريته منها عليها، ولا أن توكلهم ببيعها، بل تبيع ما اشتريته منهم لغيرهم.

ثالثًا:

وأما السلع التي تُشترى ” تورقًا ” من جهة معينة ثم يُنزل بها إلى السوق ولا يُرى من اشتراها هل هو البائع الأول أم غيره، أو عُلم أنه هو ولم يكن مقصودًا أن يشتريها: فلا يكون في ذلك محظور، وليست هذه بيع عينة، وإنما العِينة المحرَّمة: أن يباشر بيعها للبائع الأول، أو يوكِّل أحدًا يبيعها له.

رابعًا:

ولا حرج عليك في الاستدانة من شخص آخر لتغلق ديْنك الذي عليك للبنك، على أن يكون القرض قرضًا حسنًا لا ربا فيه.

ثم لا حرج في كون ذلك من أجل أن يكون لك معاملة تورق أخرى عند البنك نفسه وبمبلغ أكبر، فتسدد دينك لصاحبك وتنتفع بالفرق لنفسك، وحكم التورق الثاني من البنك كحكم الأول وبالشروط والضوابط الشرعية نفسها.

خامسًا:

ولا نرى حرجًا من أن يكون لك معاملتا تورق في البنك نفسه، وتسدد له قسطين في آن واحد بشرطين:

  1. أن يكون نظام الدولة أو البنك يسمح لك بذلك؛ لأن كثيرًا من الناس تَستنزف الأقساط الشهرية رواتبهم ودخلهم الشهري، ويؤثر ذلك سلباً على نفقته الواجبة على أهله، ومن هنا فقد حذَّر كثير من العلماء والعقلاء النَّاسَ من الانجرار وراء عروض التقسيط؛ لعظَم أمر الدَّين من جهة، ولاحتمال تقصير المشتري للنفقة الواجبة عليه من جهة أخرى -.

فإذا كان نظام الدولة أو البنك لا يسمح لك بمعاملتي تورق، أو لا يُسمح لك بتجاوز حد معيَّن من الراتب الشهري لتدفعه أقساطاً شهريَّة: لم يجز لك التعامل بمعاملتين ودفع قسطين –  فضلًا عن أكثر – في آن واحد.

  1. أن لا يكون ثمة تعلق للتورق الثاني بالأول، إنما تكون المعاملة الثانية مفصولة بالكلية عن الأولى، فإن كان لها تعلق كأن تكون لأجل أن يُخصم ما تبقى من الدَّين الأول أو لجزء منه: فهو من ” قلب الدَّين ” وهو محرَّم.

وقد جاء في قرارات مجلس ” المجمع الفقهي الإسلامي ” برابطة العالم الإسلامي بشأن فسخ الدين في الدين ما نصُّه:

يعدُّ من فسخ الديْن في الديْن الممنوع شرعًا: كل ما يفضي إلى زيادة الدين على المدين مقابل الزيادة في الأجل أو يكون ذريعة إليه ويدخل في ذلك الصور الآتية:

فسخ الديْن في الديْن عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بموجبها مديونية جديدة على المدين من أجل سداد المديونية الأولى كلها أو بعضها، ومن أمثلتها: شراء المدين سلعة من الدائن بثمن مؤجل ثم بيعها بثمن حالٍّ من أجل سداد الدين الأول كله أو بعضه: فلا يجوز ذلك ما دامت المديونية الجديدة من أجل وفاء المديونية الأولى بشرط أو عرف أو مواطأة أو إجراء منظم، وسواء في ذلك أكان المدين موسراً أم معسرًا، وسواء أكان الديْن الأول حالاًّ أم مؤجلاً يراد تعجيل سداده من المديونية الجديدة، وسواء اتفق الدائن والمدين على ذلك في عقد المديونية الأول أم كان اتفاقاً بعد ذلك، وسواء أكان ذلك بطلب من الدائن أم بطلب من المدين، ويدخل في المنع ما لو كان إجراء تلك المعاملة بين المدين وطرف آخر غير الدائن إذا كان بترتيب من الدائن نفسه أو ضمان منه للمدين من أجل وفاء مديونيته.

قرار رقم: 104 ( 3 / 18 ).

وعليه: فإذا كان الأمر كما تقول أن المعاملة الثانية مفصولة بالكلية عن الأولى، وأنك قادر على تسديد قسطين في آن واحد: فلا يظهر لنا مانع من ذلك ولو كانت نسبة الربح في المعاملة الثانية أكبر من الأولى؛ لأنها ستكون مقابل طول الأجل حيث ستبدأ أقساطها بعد الانتهاء من أقساط المعاملة الأولى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة