حكم مشاهدة مسلسل ” يوسف الصدِّيق “وحكم من تركت الزواج للتزوج بيوسف في الجنة؟
السؤال
السلام عليكم أنا الحمد لله ملتزمة وكنت أعرف أنه يجوز أن تحبَّ الفتاة صحابيّاً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وتتمنى الزواج به أو بشخص مثله في الجنَّة، ولكني أحب نبيًّا! وأتمنى الزواج منه في الجنة، مع معرفتي أن الأنبياء ذوو مقام عظيم عند الله ولن أبلغ هذه المكانة بأعمالي القليلة، ولكن لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله ولكن برحمة الله، وعندما قالوا لي إن هذه الأمنية ستضيِّع عليَّ فرصتي في الزواج و ” لا رهبانية في الإسلام “: أقول لهم: إني حتى لو تزوجتُ بإنسان ملتزم يتقي الله فيَّ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فإن مات عني وقدَّر الله ودخلت الجنَّة – إن شاء الله – فسوف ألتحق بزوجي في الدنيا وأنا كنت أحب نبيًّا، ثم قيل لي: ربما هذا بسبب تأثير نفسي لأني كنت أشاهد هذا المسلسل عن قصة النبي يوسف عليه السلام وقالوا لي: ربما أحببتِ الشخصية التي قامت بالدور! مع علمي أنه شيعي، ولذلك كففت عن مشاهدتي للمسلسل.
وصل الأمر معي لدرجة أني أصبحت أمشي في الشارع وإن عُرضت عليَّ فتنة ما كالميل لأغنية مثلًا أقول لنفسي: ” أنتِ زوجة نبي! وزوجات الأنبياء أطهار لا يفعلون مثل هذا القذر ” فتنصرف نفسي عنها، فهل هذا جائز؟ أفيدوني، جزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أنتج الرافضة مسلسلًا يحكي قصة يوسف عليه السلام وما جرى له في صغره وشبابه وكهولته، ولم يكفهم ما في دينهم من تحريف وكذب حتى جعلوا ذلك فيما أظهروه من حياة يوسف عليه السلام وزمانه، فجعلوا حياة يوسف في زمن الفراعنة وليس الأمر كذلك، وجعلوا الفراعنة موحدين وليس الأمر كذلك، وحرَّفوا النص القرآني فجعلوا إخوة يوسف هم الذين باعوا أخاهم يوسف وليس الأمر كذلك، وسوَّقوا لمبدأ الولاية! من خلال ذلك المسلسل، في أشياء أخرى كثيرة تدل على خبثهم ومكرهم.
ولسنا نريد ذِكر الحكم الشرعي في فعلهم أداءً إذ ليس بعد الكفر ذنب، ولكننا نذكر حكم مشاهدة ذلك المسلسل وأمثاله مما فيه تمثيل شخصية نبي أو صحابي، وهو أمر منكر، وفيه مخالفات ومفاسد كثيرة، وها نحن نرى الآن مفسدة عظيمة وهي تعلق المشاهد بشخصية الممثل والخلط بين ذلك وبين المحبة الشرعية للنبي، وما ذاك إلا بسبب حركات وكلمات ذلك الممثل الفاجر التي تجرأ ليمثِّل دور ذلك النبي الجليل، وبسبب ضعف الإيمان عند المشاهد حتى إنه ليتعرض للفتن بنفسه ويمشي إليها برجليه.
* سئل علماء اللجنة الدائمة عن:
حكم تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصحابة والتابعين رضي الله عنهم؟ وعن تمثيل الأنبياء وأتباعهم من جانب والكفار من جانب آخر؟.
فأجابوا:
أولًا: إن المشاهد في التمثيليات التي تقام والمعهود فيها طابع اللهو وزخرفة القول والتصنع في الحركات ونحو ذلك مما يلفت النظر ويستميل نفوس الحاضرين ويستولي على مشاعرهم ولو أدى ذلك إلى لي في كلام من يمثله، أو تحريف له، أو زيادة فيه، وهذا مما لا يليق في نفسه فضلًا عن أنه يقع تمثيلًا من شخص أو جماعة للأنبياء وصحابتهم وأتباعهم فيما يصدر عنهم من أقوال في الدعوة والبلاغ، وما يقومون به من عبادة وجهاد أداء للواجب ونصرة للإسلام.
ثانيًا: إن الذين يشتغلون بالتمثيل يغلب عليهم عدم تحري الصدق وعدم التحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة، وفيهم جرأة على المجازفة وعدم مبالاة بالانزلاق إلى ما لا يليق ما دام في ذلك تحقيق لغرضه من استهواء الناس وكسب للمادة ومظهر نجاح في نظر السواد الأعظم من المتفرجين، فإذا قاموا بتمثيل الصحابة ونحوهم أفضى ذلك إلى السخرية والاستهزاء بهم والنيل من كرامتهم والحط من قدرهم وقضى على مالهم من هيبة ووقار في نفوس المسلمين.
ثالثا: إذا قدِّر أن التمثيلية لجانبين، جانب الكافرين كفرعون أبي جهل ومن على شاكلتهما، وجانب المؤمنين كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وأتباعهم: فإن من يمثِّل الكافرين سيقوم مقامهم ويتكلم بألسنتهم فينطق بكلمات الكفر ويوجه السباب والشتائم للأنبياء ويرميهم بالكذب والسحر والجنون … إلخ، ويسفه أحلام الأنبياء وأتباعهم ويبهتهم بكل ما تسوله له نفسه من الشر والبهتان مما جرى من فرعون وأبي جهل وأضرابهما مع الأنبياء وأتباعهم لا على وجه الحكاية عنهم، بل على وجه النطق بما نطقوا به من الكفر والضلال، هذا إذا لم يزيدوا من عند أنفسهم ما يكسب الموقف بشاعة ويزيده نكرًا وبهتانًا وإلا كانت جريمة التمثيل أشد وبلاؤها أعظم وذلك مما يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من الكفر وفساد المجتمع ونقيصة الأنبياء والصالحين.
رابعًا: دعوى أن هذا العرض التمثيلي لما جرى بين المسلمين والكافرين طريق من طرق البلاغ الناجح والدعوة المؤثرة والاعتبار بالتاريخ: دعوى يردها الواقع، وعلى تقدير صحتها فشرها يطغى على خيرها، ومفسدتها تربو على مصلحتها وما كان كذلك يجب منعه والقضاء على التفكير فيه.
خامسًا: وسائل البلاغ والدعوة إلى الإسلام ونشره بين الناس كثيرة، وقد رسمها الأنبياء لأممهم وآتت ثمارها يانعة؛ نصرة للإسلام، وعزة للمسلمين، وقد أثبت ذلك واقع التاريخ فلنسلك ذلك الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولنكتف بذلك عما هو إلى اللعب وإشباع الرغبة والهوى أقرب منه إلى الجد وعلو الهمة، ولله الأمر كله من قبل ومن بعد وهو أحكم الحاكمين.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 268 – 270 ).
ثانيًا:
ولا ينبغي لك – أيتها الأخت السائلة – التعلق بشخصية يوسف عليه السلام الحقيقية حتى إنك لتريدين ترك الزواج من أجل ذلك! وهذا ما لم نسمعه ولم نقرؤه عن أحد من أهل الإسلام فيما مضى، وإذا كان ثمة محبة لنبي أكثر من غيره فلتكن لأولي العزم من الرسل الذين أثنى الله تعالى عليهم في كتابه لما لاقوه من عنت أقوامهم ومن شدةٍ في الدعوة إلى التوحيد، وأما محبة يوسف عليه السلام دون غيره من الأنبياء فهو تعلق بهيئته وجماله، وسيكون هذا على حساب ترك الزواج الذي حثَّت عليه الشريعة، والذي تعف المرأة نفسها به، وهو حب غير مشروع، فاحذري من الاستمرار عليه.
ومن جهة أخرى فإن من كان متزوجًا من مسلمة وكلاهما من أهل الجنة – حتى لو كان من غير الأنبياء – فإنه لا يجوز لامرأة سؤال الله تعالى أن يزوجها إياه؛ لأن زوجاته في الجنة سيكُنَّ زوجات له هناك، وأما المرأة غير المتزوجة وهي من أهل الجنة: فإن الله تعالى يزوجها ممن يدخلها من غير المتزوجين، أو يزوجها ممن زوجاتُهم ليسوا من أهل الجنة، كمن تزوج كتابية أو كانت زوجته قد ارتدت عن الإسلام.
والذي يظهر أن يوسف عليه السلام كغيره من الأنبياء والمرسلين كان له زوجة أو أكثر، وقد قال تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) الرعد/ 38.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – في فوائد قوله تعالى ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) البقرة/ 35 -:
ومنها: أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل، والأنبياء، ومَن دونهم، كما قوله تعالى: ( ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية ) الرعد/ 38. تفسير سورة البقرة ” ( 1 / 130 ).
وبكل حال:
فإننا نربأ بأحد من المسلمين أن يحصر حياته وتفكيره في مثل هذا الدون من الأفكار، فلو كان هذا من الخير والفضل لسبقتكِ إليه العالِمات والفاضلات من سلف هذه الأمَّة.
وليُشغل المسلم نفسَه وفكره وحياته بالعالي من الأمور، وليسعَ إلى الحرص على نيل أعالي المنازل في الآخرة ليكون مع النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين بحُسن اعتقاد وصلاح أعمال.
وعليه أن ينزِّه نفسه عن التعلق بأحدٍ ليكون زوجًا أو زوجة له في الجنَّة، بل يحرص على نيل الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة ليكون رفيقًا لمن رضي الله عنهم، يتنعم بنعيم الله معهم، ويفرح بفضل الله ورحمته بصحبتهم.
واعلمي أنه ليس في الإسلام ” رهبانية “، فلا يحل لك ترك الزواج تعلقا بأمنية أخروية قد لا تتحقق، ونحن نجزم لك بأنها لن تتحقق إذا كان تعلقًا برجل من أهل الجنة ومعه زوجته فيها، فلا تشغلي نفسك بهذا الأمر، وسارعي للعمل بالهدي النبوي في التزوج وإنجاب الذرية، فهذا هو خير الهدي، وما عداه فضلال.
والله أعلم.


