هل يجوز لمعدّد أن يبيت عند زوجة ليلتين متتاليتين وعند الأخريات يفرقهما؟

السؤال

تزوج زوجي زوجة ثالثة، وهي مستقر في ” ينبع “، ونحن من مدينة ” جدة “، ومقر عمله في ” جدة “، ولقد اشترطتْ عليه أن تبقى في ” ينبع ” لحاجتها هي ووافق على ذلك، ولكنه لن يعطيها حقها في القسْم كاملًا، فجعل القسمة خلال الأسبوع: يومان متصلة في ” ينبع “، وخمسة لدينا، ولم أرضَ بهذه القسمة وأرى أنه ظلمني فيها؛ لأنه يبقى عند الثالثة يومين متصلين وليس لديه أعمال هناك لأنه غريب عن المدينة، أما عندما يأتي عندي فقد يخرج من الصباح إلى الظهر، وقد يكون أكثر من ذلك، فكيف يعطيني يومين خلال الأسبوع مثلها ويكونان غير متصلين، وهي صاحبة الحاجة وليس هو. أرجو بيان الحكم؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أوجب الله تعالى العدل على الأزواج المعددين، فإن بات عند واحدة ليلة بات عند الأخرى أو الأخريات مثلها، وإن بات ثلاث ليال عند واحدة فليلزمه الأمر نفسه عند الأخريات.

واختلف العلماء في الحد الأعلى من المدة التي يمكثها الزوج عند كل زوجة، فقال بعضهم: يقسم ليلة لكل واحدة ولا يزيد إلا برضاهن، وقال آخرون: ثلاث ليال، وقال الظاهرية: حده إلى سبع ليال، وهذه أشهر أقوال أهل المذاهب.

وينظر في ذلك: ” الموسوعة الفقهية ” ( 33 / 194 ، 195 ).

والصحيح من أقوال العلماء أن مرجع التحديد لأيام المبيت عند كل واحدة من الزوجات: مرجعه إلى الزوج، وليس ثمة أياماً وليالي يُلزم بها، على أن لا يتأخر عن أي واحدة منهن مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر، وعلى أن لا يقصد بزيادة أيام القسم الإضرار بواحدة منهن.

قال الشوكاني – رحمه الله -:

وأما قوله – ( أي : صاحب حدائق الأزهار) -: ” وإليه كيفية القسم إلى السبع”: فلا وجه له، ولا دليل يدل عليه، بل إليه كيفية القسم كيف شاء ما لم يستلزم ذلك ضراراً للنساء. ” السيل الجرار ” ( 2 / 303 ).

ثانيًا:

وإذا اختار الزوج المبيت عند إحدى نسائه ليلتين متواصلتين: لزمه ذلك مع باقي نسائه، ولا يحل له جمع أيام واحدة منهن وتفريق أيام باقيهن، ومما يدل على ذلك من السنَّة:

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًا وَقَالَ: ( إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي ). رواه مسلم ( 1461 ).

* قال البغوي – رحم الله -:

فإن اختارت الثيب أن يبيت عندها سبعًا: يجوز، ثم عليه قضاء جميع السبع للقديمة، فحق الثيب في ثلاث ليال بلا قضاء أو في سبع بشرط القضاء، وهو قول الشعبي، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.

” شرح السنة ” ( 9 / 156 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وإن كانت ثيِّبًا: خيَّرها بين أن يقيم عندها سبعًا ثم يقضيها للبواقي، وبين أن يقيم عندها ثلاثًا ولا يحاسبها، هذا قول الجمهور.

” زاد المعاد ” ( 5 / 151 ).

فهذا الحديث نص في أن الزوج إن أعطى زوجته ما لا حق لها به – كالبكر لها سبع ليال، والثيب لها ثلاث -: فإن عليه أن يعطي من الأيام مثلها للبواقي من نسائه.

والعلماء عندما يذكرون ما يجب على المعدد من العدل في المبيت يذكرون ” ليلة ليلة”، و ” ثلاثًا ثلاثًا ” و ” شهرًا شهرًا “، وهذا يبيِّن أن حق الزوجة ليس فقط في عدد الليالي التي تأخذها ضرتها بل وكلك كيفيتها، فالعدل يقتضي أن يكون في الكم والكيف.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فإن كان له امرأتان في بلدين: فعليه العدل بينهما؛ لأنه اختار المباعدة بينهما، فلا يسقط حقهما عنه بذلك، فإما أن يمضي إلى الغائبة في أيامها، وإما أن يُقدمها إليه ويجمع بينهما في بلد واحد، فإن امتنعت من القدوم مع الإمكان: سقط حقها لنشوزها، وإن أحب القسْم بينهما في بلديهما: لم يمكن أن يقسم ليلة ليلة، فيجعل المدة بحسب ما يمكن، كشهر وشهر، أو أكثر، أو أقل، على حسب ما يمكنه، وعلى حسب تقارب البلدين وتباعدهما. ” المغني ” ( 8 / 152 ).

وبه يُعلم الجواب عما جاء في السؤل، وهو أن على الزوج الذي رضي بأن يبيت عند زوجته في ” ينبع ” ليلتين متتاليتين أن يفعل الأمر نفسه كمًّا وكيفًا مع البواقي من نسائه، فعليه أن يبيت عند كل واحدة مهما ليلتين متتاليتين، إلا أن يرضيا بإسقاط حقهما، وتختاران تفريق الليلتين.

ثالثًا:

وليس لك – أيتها الأخ السائلة – محاسبة زوجك على عمله وزياراته التي تكون في ليلتك بسبب أنه يعيش بين أهله وأقربائه وأصدقائه، وهو لا يحل له تعمد جعل أعماله ومواعيد زياراته في نوبة بض نسائه للإضرار بها وتقليل وقت بقائه معها، فإن فعل ذلك متعمدًا يكون ظالمًا آثمًا.

* قال الدكتور أحمد ريان – وفقه الله -:

وقد تشدد بعض العلماء في وضع معايير للقسْم، ونفوا العدل عن كل ما يخالفها، ونجد مثل هذا التشدد في بعض عبارات الحنفية حيث جاء عندهم ” حتى لو جاء للأولى بعد الغروب وللثانية بعد العشاء فقد ترك القسْم “! ومعنى ذلك: أن الزوج يجب عليه أن يُنهي كل متعلقات النهار قبيل غروب الشمس حتى يتفرغ لضبط أوقات الدخول عند زوجاته يوميًّا بحيث يكون ذلك في ساعة محددة يوميًّا! وإذا كان حدوث ذلك ممكنًا فيما مضى لبساطة الحياة وقلة الضرورات وحصول الكفاية في المعاش بالقليل: فإنه غير ممكن الآن، فكم من الرجال الآن يستطيع أن يتحكم في حركته بحيث يقيد نفسه داخل المنزل من قبل غروب الشمس يوميًّا حتى يكون القسم في المبيت تامًّا؟.

… إنما الأنسب أن يقال: يجب أن يمكث مع أهله في المنزل أكثر الليل دون تحديد لوقت الدخول أو الخروج، إذ ربما اضطرته ظروف المعاش أو قضاء الحقوق أو طلب العلم أو غير ذلك من ظروف الحياة أن يدخل بيته متأخرًا أو يخرج منه مبكرًا، فالعبرة: بالبقاء مع الزوجة صاحبة النوبة أكثر الليل؛ لأن المقصود هو الأنس والاستمتاع، وهما يتحققان ببقاء الزوج أكثر الليل في منزله، وقد رأينا في الأحاديث المتقدمة الكيفية التي كان يتحقق بها القسم في الأسرة النبوية الطاهرة، ولم تكن زياراته صلى الله عليه وسلم لبقية أزواجه ليلًا أو نهارًا أو اجتماعه بهن في بيت صاحبة النوبة منافية لهذا القسم مع ما هو معلوم أن تلك الزيارات وذلك الاجتماع قد يفوِّت على صاحبة الليلة بعض حقها إذ كان يأخذ جزءًا من الوقت الخاص بها والتي كان من حقها أن تستأثر به دون صواحباتها .

… لذلك أرى أن العبرة بالقسم: هو أكثر الليل، مع تقييد ذلك التأخير بألا يكون المقصود منه هو ضرر الزوجة صاحبة الليلة، بل كان ذلك نتيجة لمشاغل الزوج اليومية.  ” تعدد الزوجات ” ( ص 60 ، 61 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة