يعترض على أجوبتنا لمن يعيش في بلاد الغرب بتحريم بعض المسائل ويريد منا تغييرها!

السؤال

قرأت السؤال المتعلق بضرورة الحصول على عمل حلال، ولكن الوضع هنا في الغرب يختلف عما هو عليه حيث أنتم في البلدان الإسلامية، فالحصول على عمل هنا صعب جدّاً، ناهيك عن عمل بمواصفات محددة، كما أن المسلمين هنا ليس لديهم شركات أو مؤسسات عملاقة بحيث تحتوي كل المسلمين، حتى وإن كان لديهم ذلك فإن غير المسلمين يقدّرون حقوق العاملين أفضل مما يقدّرها المسلمون، فتراهم يجزلون العطاء ويحسنون التعامل مع موظفيهم، وهذه حقيقة وللأسف.

كما أني قرأت أيضاً السؤال المتعلق بعدم جواز العمل في شركة لبيع أجهزة التلفاز وأجهزة الفيديو، والحجة في ذلك أن هذه الأجهزة قد تُستخدم في رؤية الأشياء المحرمة، وأنا في الحقيقة مستغرب من هذه الفتوى، فلو جئنا ننظر إلى الأمور من هذه الزاوية لكان العمل في المستشفات هنا في الغرب حرام لأنها تُجري عمليات الإجهاض، ولما أمكننا العمل أيضاً في شركات الإعلام والتلفزة لأن هذه الشركات قد تزود الزبائن بمحطات غير لائقة أو ما شابه ذلك، والأمثلة كثيرة في هذه الباب، فما العمل إذًا؟ أي الأعمال التي يمكن لنا أن نعمل بها ونحن مطمئنو الأنفس؟!.

أيضًا: هناك مسألة يجب التنبه لها عند إطلاق مثل هذه الفتاوى، وهي أن الشخص قد لا يتقن إلا عملًا واحدًا فقط، وقد يكون هذا العمل حرامًا من وجهة نظر المفتي وبالتالي فإنه يترك عمله ويقعد عاطلًا، فلدي صديق كان يعمل في شركة تلفزة فقيل له إن هذا العمل حرام فتركه وقام بالبحث عن عمل آخر ولكنه للأسف لا يتقن شيئًا آخر وبالتالي فما زال عاطلًا عن العمل حتى الآن وقد مضى على تركه لذلك العمل ما يقارب العام، والسبب في ذلك كله هو أن المفتين من خارج بلداننا، وبالأخص من البلدان الإسلامية، يطلقون الفتاوى دون النظر إلى واقع الحال هنا في الغرب، فأرجو التنبه لذلك والتفريق بين ما هو عليه الحال في البلدان الإسلامية وما هو عليه الحال هنا في الغرب . نرجو التوجيه؟.

الجواب

الحمد لله

  1. الاعتراض على فتاوى العلماء في الجوانب المختلفة من الشرع لا ينبغي أن ينطلق من عواطف تتحكم بالمعترض، بل عليه أن يأتي بنصوص من الوحي تبين خطأ هذه الفتوى أو تلك، وللأسف لم نجد شيئًا من ذلك في كلام الأخ المعترض، ونحن عندما نقول للأمر الذي يسأل عنه السائل من بلاد الغرب أو الشرق إنما ننظر للأدلة التي تحكم على عمله، ولا تظن أننا لا نفكر في حاله ومآله وما يترتب عليه من تركه للعمل – إن فعل- بل إن ليؤلمنا أشد الإيلام أن وصل الحال بالمسلمين لهذه الدرجة من السوء، وليس الأمر مقتصرًا على ما فيه شبهة واختلاف بل وصل الأمر إلى ارتكاب المحظورات القطعية، لكننا نحكِّم النصوص الشرعية على عاطفتنا ويهمنا آخرة هؤلاء السائلين ونعوذ بالله أن نكون جسرًا يعبرون عليه في فعل الآثام واكتساب السيئات، ولذا فضَّلنا لهم الأعمال الحلال ولو براتب أقل، وفضَّلنا لهم المعيشة في البلاد الإسلامية وإن كان فيها بعض المعاناة، وفضَّلنا لهم السكنى بشقة بالإيجار على تملك سكن بالحرام، ونحن ننظر فيما نقوله للناس ونفتي به آخرتنا ونحرص على أن لا نوقع عن الله تعالى إلا ما نرى أنه حكمه وتشريعه، والدنيا كلها لا تسوى عند الله جناح بعوضة فلم نعظم شأنها للسائل وكأنه لن يغادرها إلى آخرة ؟! وها هم الصحابة الكرام قد ضربوا أروع الأمثلة على ذلك، فقد أهراقوا الخمور لما سمعوا تحريمها وكانت مشتراة بمبالغ طائلة، وقد تركوا أنواعًا من البيوع كان لهم فيها نفع دنيوي، لكنهم فضَّلوا الآخرة على الدنيا فاستجابوا لأمر الله وامتنعوا عنها، فهؤلاء هم قدوتنا وأسوتنا.
  2. واختلاف البيئة لا يغيِّر من الحكم الشرعي المنصوص عليه أو المتفق على حكمه، فالحرام في ” السعودية ” – كالخمر والزنا – حرام في ” كندا “، والواجب في ” قطر ” – كالصلاة والصيام – واجب في ” أمريكا “، وبعض المسائل الاجتهادية قد يشتد حكمها إن كان الشخص السائل عنها في بلاد كافرة أو إباحية وليس العكس! فهل ترى الاختلاط – مثلًا – في مؤسسة أو شركة في بلاد مسلمة بين رجال مصلين ونساء محتشمات له الحكم نفسه في مؤسسة أو شركة في ” السويد ” – مثلًا – حيث الرجال نصارى يشربون الخمور والمخدرات والنساء متهتكات شبه عرايا ؟! فإن قلنا بالتحريم في الحالة الأولى فإن الحرمة تشتد في الحالة الثانية لا أنها تجوز لأنه يعيش في بلاد الغرب!
  3. ولا يشترط في المفتي أن يكون من أفراد بلد السائل وإلا لما أجبنا إلا على الأسئلة الواردة من حيِّنا -لا من بلدنا- نفسه!؛ لأنه حتى البلد الواحد يكون كبيرًا يبتعد شرقه عن غربه، وهذا ما لا يقوله عاقل.

ونحن نسألك – أخي المعترض الفاضل –: ما الشيء الذي تعرفه عن واقع البلد الذي تعيش فيه ونجهله؟! العالَم الآن أصبح ” غرفة واحدة “! نطلع فيه على أحوال العالَم عن كثب، ونتابع أموره بدقة، وتصلنا أخباره بسرعة وفي أحيان كثيرة قبل معرفة أهل البلد نفسه! وليس هذا مبالغة بل حقيقة، فهل تتصور أنه لو كنتَ موجودًا في ” أمريكا ” – مثلًا – أنك تعرف كل ما يجري في ولايتك فضلا عن الولايات الأخرى؟! والمفتي الذي يُسأل عن حكم العمل في مطاعم تقدم الخمر أو العمل في محطة تلفاز تبثُّ الشر فيجيب لا يحتاج أن يوجد في بلاد السائل؛ لأنه يعرف المطاعم ومحطات التلفاز، فالقول بأنه لا يجوز للمفتي خارج بلاد صاحب السؤال أن يجيب عن أسئلة أهل ذلك البلد: بعيد عن الصواب، وعن المنطق، وعن الشرع.

  1. ثم ما رأيك بوجود من يفتي لأولئك السائلين بما تطلبه منَّا وهو يعيش في بلاد إسلامية! فبعض المفتين يفتون لأولئك السائلين الموجودين في بلاد الغرب بجواز العمل في البنوك الربوية حتى يجد عملًا! ويفتي بجواز التمثيل للنساء ولو وجدت عملاً آخر مباحًا! ويفتي بجواز بيع الخمر! فهل ستُرفض فتاواه لأنه يعيش في بلاد إسلامية؟! إن كان الجواب نعم – وهذا بعيد -: فبم سيأخذ السائل وعنده فتويان متضادتان؟ وإن كان الجواب أنها ستُقبل: فهذا يعني أنه ثمة اتباع للهوى، والبحث عن فتاوى توافق الأهواء، وليس الأمر متعلقًا بوجود المفتي خارج بلاد الغرب وفي بلد إسلامي.
  2. ثم إن السائل من البلاد التي تعيش فيها قد رضي بهذا الموقع مرجعًا له في دينه، ووثق بالمفتي ليوقع له عن ربه تعالى في بيان الحكم الشرعي، وإنه قد عمل بمقتضى ما جاءه من الحكم الشرعي، فما الذي يضيرك في ذلك؟! وهل نضيف على طلباتك منع السائل من سؤالنا كما تريد منع المفتي من الإجابة؟!.
  3. والحكم الشرعي الذي نذكره لكم ولمن يعيش في بلاد الغرب لا يختلف عن الحكم الشرعي في البلاد الإسلامية، فالعمل المختلط والدراسة المختلطة والعمل في محطات التلفاز غير الإسلامية وبيع المحرمات كله لا يجوز سواء كانت مؤسساته ومحطاته في بلاد الكفر أو في بلاد الإسلام، وفي موقعنا مئات الفتاوى التي تبين الحكم الشرعي في البلاد الإسلامية من حيث المنع والتحريم.

وصعوبة وجود العمل المباح موجودة في البلاد الإسلامية كما هو الحال في بلاد الكفر.

  1. وقولك إن الشخص الذي لا يتقن إلا عملًا واحدًا ونراه محرَّمًا لا يجوز لنا أن نفتيه بالتحريم: من العجائب، وهو يؤكد ما قلناه أولًا من تأثير البيئة التي تعيش فيها عليك، ومن تحكيم عاطفتك في الأمر، وماذا تتوقع من المفتي أن يقول لمن سأله عن حكم ” الرقص ” لامرأة – مثلًا -، هل يقول لها إن كنتِ لا تجيدين غيره فاستمري فيه؟! وماذا يقول لمن سأله عن ” ساقي الخمر ” الذي يعمل في ” حانة ” ولا يجيد غير ذلك؟! وماذا يقول لمن لا يجيد سوى ” تجميل النساء “؟! وماذا يقول لمن لا يجيد سوى ” صناعة التماثيل “؟! فهل يقول لكل أولئك بجواز بقائهم في أعمالهم لأنهم لا يجيدون غيرها؟! فأين الحكم الشرعي القاضي على الأهواء والرغبات الفاسدة؟ وأين اتباع نصوص الوحي وترك الإلف والعادة المخالفتين للشرع؟! وأين الثقة بالله تعالى في ترك ما يهوى الإنسان لما حكم به الرب تعالى؟ وأين الثقة بالله تعالى أن يعوِّض هذا المستجيب لحكم الله تعالى بالخير في الدنيا، وبالثواب والأجر في الآخرة؟!.
  2. وننصحك – أخيرًا – بالتروي قبل الاعتراض على ما يفتي به العلماء انطلاقًا من كتاب ربهم وسنَّة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وننصحك بعدم الكلام في شرع الله تعالى إلا بعلم، وإلا وقعت في أعظم الذنوب، وفي ذلك يقول الله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33 ).

واعلم أن النفس تهوى وتتمنى أشياء كثيرة، ولن تجد لها في الشرع موافقًا لها في كل ذلك، لذا وجب على المسلم أن لا يقدِّم بين يدي الله ورسوله، ووجب عليه الاحتكام لشرع الله والرضا بحكمه وأن لا يكون في قلبه حرج من الحكم الشرعي ويسلِّم تسليمًا، وبذا يكون قد حقق الإيمان في أجلى وأعظم صوره، وفي ذلك يقول الله تعالى ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء/ 65.

– ونسأل الله أن يهديك ويوفقك لما فيه رضاه، وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة