يعترض على تحريم العلماء للتدخين ونسيانهم لسمنتهم وكروشهم!

السؤال

لقد سمعت الكثير من المشايخ ممن تكلموا عن حرمة التدخين، كذلك أيضًا على موقعكم هناك الكثير من المواد حول هذا الموضوع، فالتدخين يسبِّب أمراض القلب، ولكن في الحقيقة أمراض القلب لها أسباب أخرى غير التدخين، فالطعام المليء بالدسم هو أيضاً من أسباب أمراض القلب، وترك الرياضة والسمانة أيضًا من مسببات أمراض القلب، فلا أدري ما سبب كل هذه الجلبة حول التدخين، فكثير من هؤلاء الذين يتحدثون ويفتون بحرمة التدخين لأنه سبب من أسباب أمراض القلب هم أنفسهم يعانون من السمانة المفرطة والتي قد يكون ضررها أشد من التدخين على القلب، ألا يظن هؤلاء أنهم سوف يُسألون عن صحتهم وعدم الاهتمام بها؟! بل إن بعضهم يتندر ويضحك أن بطنه كبيرة، ألا يعلم هؤلاء أن البطنة والسمانة هي من أكثر الأسباب قتلًا للناس في هذا العصر؟! .

بل إن هناك أمورًا غريبة وفتاوى لا أدري من أين مصدرها، فقد أخبرني أحد المشايخ وقال لي: إنه لا يجوز الذهاب إلى النادي لغرض تدريبات الصدر التي من شأنها إبرازه وتكبيره! وحجته في ذلك: أن صدر النبي صلى الله عليه وسلم كان متساويًا مع بطنه، فلا زيادة ولا نقص! فإذا سلمنا بصحة هذه الفتاوى: أفلا يجري حكم التحريم على كثير من هؤلاء المشايخ والذين نلاحظ أن بطونهم لا تتساوى مع صدورهم بسبب كبر حجمها؟! أم أن الحكم لا ينطبق عليهم؟!.

المقصود من كلامي هذا: أن الإغراب والشطط في مسائل الدين أمر مذموم شرعًا، وإني لأربأ بهؤلاء العلماء والمتدينين ممن يصدرون مثل هذه الفتاوى عن الخوض في مثل هذه الأمور، وأن الأفضل لهم الالتفات إلى أنفسهم والاهتمام بصحتهم ومحاولة ممارسة شيء من الرياضة حتى لا تتنافى أقوالهم مع أفعالهم، فالازدواجية مذمومة أيضًا، وليعلموا أن أجسامهم أمانة عندهم فلا يفرطوا فيها.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

قد خلط هذا القائل بين الأمور كثيرًا، وجعل للحرام حكم الحلال والعكس، وقد قال إنه ليربأ! بالعلماء إصدار فتاوى بتحريم التدخين إن كان لهم ” كروش “! وصار يسخر من هيئة بعضهم، فجمع بين الجهل وسوء الأدب.

وليعلم القارئ الفطن أنه ثمة فرق بين ” التعدي ” و ” التفريط “، فالتعدي: فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والفرق بين التعدِّي والتفريط:

– أن التعدي: فعل ما لا يجوز.

– والتفريط: ترك ما يجب.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 9 / 147 ).

وبيان ذلك في مسألتنا أن يقال:

إن شرب الدخان محرَّم في ذاته، فهو تناول لخبيث مسبب للأمراض قاتل للأنفس بلا أدنى شك، ومن فعل ذلك فقد ” تعدَّى ” على شرع الله بتناوله لذلك المحرَّم القاتل، يستوي في ذلك من تناول ” نفَسًا من سيجارة ” ومن تناول ” كرتونًا “!.

وأما من تناول الطعام والشراب مما أحلَّه الله تعالى للناس: فهذا لا يأثم على ذلك، قلَّ طعامه وشرابه أو كثرا، لكنه إن أكثر من ذلك مع عدم الاهتمام بنفسه لتصريف الزائد من الطعام مما سبَّب له سمنة: فهذا يكون ” مفرِّطاً ” في صحته، وهو لا يأثم على ما تناول من طعام وشراب لكنه يأثم على عدم اهتمامه بنفْسه حتَّى سبِّب لنفسه السمانة المهلكة، فأما إن كانت سمنة غير مضرة ولا مُهلكة: فلا يترتب عليه إثم، وأين هذا من شرب الدخان المحرَّم لذاته؟!.

ولا ننكر وجود آثار سيئة للسمنة، وأنه لا يجوز للمسلم أن ” يفرِّط ” في نفسه فيترك لها الحبل على غاربه، فالله تعالى قد أحلَّ الطعام المباح ولن يكون المسلم آثمًا بتناوله، ولكنه يجب عليه أن يلتفت لنفسه أن يسبِّب له الطعام بسمنة مفرطة فتودي به إلى الهلاك، في هذه الحال يحاسَب على ” تفريطه ” لا على ذات طعامه وشرابه، وأما المدخِّن: فهو آثم على تناوله للدخان وإن مات بغير أمراضه، وهو مسئول عن المال الذي أنفقه على ذلك المحرَّم، ومسئول عن أعضائه التي سبَّب لها التلف بتناول ذلك المحرَّم، وهو آثم على تناوله ذلك المحرَّم قلَّ أو كثر.

والدخان نفسه ضار سام، وتناوله محرم، والإكثار منه يزيد في الحرمة، ولا يشترط تسببه بالضرر فعلًا.

والطعام نفسه حلال، وتناوله مباح، والإكثار منه جائز إلا أن يسبب ضررًا فيُمنع الإكثار منه أو تزاول رياضة لتصريف الزائد منه.

وبما ذكرناه آنفًا يتبيَّن الفرق بين المدخن المتعدي، والمكثر من الأكل المفرِّط، وأن الأول آثم مطلقًا، وأن الثاني قد يأثم على تفريطه فقط، ولا يمكن لعاقل أن يجعل الطعام المباح بحكم الدخان المحرَّم إلا أن يكون مشابهًا لليهود الذي جعلوا ” البيع ” مثل ” الربا “!.

ثانيًا:

وليُعلم أنه ليس كل سمين فسمنته من الطعام، كما أنه ليس كل نحيف فإنه لا يُكثر من الطعام، فثمة سمنة مرض، وثمة سمنة وراثة، كما أن الواقع يشهد بأن كثيرًا من النحفاء يُكثرون من الطعام ولا تكون أجسامهم قابلة لظهور السمَن عليها.

فليعلم أنَّ السِّمَن المذموم هو ما كان بسبب النهم والأكل فوق الشبع، وهذا ما يورث البلادة والثقل في العبادة.

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

وإنما كان مذمومًا لأن السمين غالبًا بليد الفهم، ثقيل عن العبادة، كما هو مشهور. ” فتح الباري ” ( 5 / 260 ).

وواقع العلماء – بفضل الله – غير ذلك، فالأكثرون ليسوا سمينين، ومن كان منهم سمينًا: فعطاؤه – بفضل الله – كثير كما هو مشاهد ومعلوم، وذكاؤه يشهد به العقلاء، وعباداته الظاهرة كالصلاة في جماعة والصيام والحج مشهودة مشهورة لا تخفى.

فيتبين بذلك أن تناول الطعام بنفسه ليس فيه حرج إلا لمن أكثر فتضرر بسمنته : فيكون الإكثار من الطعام هنا محرَّمًا، وإلاَّ فإن تناول الطعام قد يكون واجبًا، وهذا ما لا يمكن أن يكون في تناول الدخان، بل ولا يمكن أن يكون مستحبّاً ولا مباحًا، بل ولا مكروهًا، فهو محرَّم على الدوام، وأما تناول الطعام فتجري فيه الأحكام الخمسة، وهذا فرق جوهري بين تناول الدخان والطعام يضاف لما سبق ذِكره.

* قال ابن الحاج المالكي – رحمه الله -:

الأكل في نفسه على خمس مراتب: واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم.

فالواجب: ما يقيم به صلبه لأداء فرض ربه؛ لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.

والمندوب: ما يعينه على تحصيل النوافل وعلى تعلم العلم وغير ذلك من الطاعات.

والمباح: الشبع الشرعي.

والمكروه: ما زاد على الشبع قليلًا ولم يتضرر به.

والمحرم: البطنة، وهو الأكل الكثير، المضر للبدن.

ورتبة العالم: التخيير بين الأكل المباح والمندوب.

” المدخل ” ( 1 / 218 ).

وينظر ” فتح الباري ” ( 9 / 528 ، 529 ) فقد نقل كلامًا قريبًا من هذا عن أبي حامد الغزالي رحمه الله.

وأما بخصوص تمارين الصدر وإبرازه: فيدخل في حكم الرياضة المشتهرة باسم ” كمال الأجسام “، والإسلام مع محافظة المسلم على جسمه وعلى صحته، على أنه لا ينبغي أن يكون ذلك مقاصد غير شرعية أو مخالفة للشرع.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة