تزوج اثنتين بغير توثيق نكاحه بطريق رسمي وتزوج الثالثة ووثق عقدها!
السؤال
لدي زوجتان تزوجتهما بالطريقة التقليدية المعروفة لدى الجميع، ثم بعد ذلك تزوجت زوجة ثالثة ولكن هذه المرة بالقانون العلماني، وهو القانون الرسمي للبلاد التي أنا فيها – أمريكا -، فيكف أقسِّم أملاكي بينهن لأن القانون لا يُقر لي إلا بالزوجة الثالثة، أي: التي تزوجتها وفقا لقانونهم؟.
الجواب
الحمد لله
لعلَّه من الأولى لو كان التعبير عن الزواج من الزوجتين الأوليين بلفظ ” بالطريقة الشرعية ” لا ” التقليدية “.
والذي يعيش من المسلمين في بلاد تحارب تعدد الزوجات وتمنع منه ويكون هو من المعددين: فإن عليه أمرين:
الأول أن يوثِّق أمر تزوجه بنسائه جميعاً بوثيقة شرعية يشهد عليها ثقات من المسلمين، وتكون متجددة باستمرار؛ خشية حصول طلاق أو زيادة في العدد.
الثاني: أن عليه إخبار الزوجة التي وُثِّق عقد زوجها في البلاد رسميًّا بأنه متزوج من غيرها، ويسمِّي لها الزوجات، ويذكر تاريخ زواجه، ويذكر عناوينهن.
وفي ذلك الذي ذكرناه:
- حفظ لنسب الأولاد، ورفع للتهمة عن الزوجات، وجمع لأفراد الأسَر للتقارب بينها.
- حفظ لحقوق تلك الزوجات اللاتي لم يستطع الزوج توثيق عقد نكاحه بهنَّ بسبب القوانين الظالمة الجائرة والتي تحرس ” تعدد العشيقات ” وتمنع ” تعدد الزوجات “.
ونعني بحفظ الحقوق: حفظ حقوقهن في المهر والنفقة، وكذا حفظ حقوقهن في الميراث فيما لو حصلت وفاة للزوج، فإنه من المحكوم به في شرع الله تعالى أن زوجاته جميعًا يشتركن في ربع تركته إن لم يكن له ولد – ذكرًا كان أو أنثى – من أيِّ زوجة، ويشتركن في الثمن في حال كان له ولد – ذكرًا كان أو أنثى – من أيِّ زوجة.
وتوثيق العقود بالطرق الرسمية لا شك أن له منافع عديدة، وعدمه فيه مفاسد كثيرة، ويكفي أن يكون من منافعه رفع التهمة عن الزوجة وإثبات نسب أولاده، وقد كانت الحقوق المالية هي السبب في ابتداء أمر توثيق عقود الزواج.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ولم يكن الصحابة يكتبون صداقات؛ لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخَّر بل يعجلون المهر وإن أخروه فهو معروف، فلما صار الناس يتزوجون على المؤخر والمدة تطول ويُنسى: صاروا يكتبون المؤخر وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 131 ).
وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله قصة رائعة قريبة مما نحن بصدده، وفيها عبرٌ وعظات.
* قال – رحمه الله -:
بلغني أنه كان ببغداد رجل ” بزاز ” – البز: نوع من الثياب – له ثروة، فبينا هو في حانوته أقبلت إليه صبية فالتمست منه شيئًا تشتريه، فبينا هي تحادثه كشفت وجهها في خلال ذلك، فتحير، وقال: قد والله تحيرت مما رأيت، فقالت ما جئت لأشتري شيئًا إنما لي أيام أتردد إلى السوق ليقع بقلبي رجل أتزوجه وقد وقعتَ أنتَ بقلبي ولي مال فهل لك في التزوج بي؟ فقال لها: لي ابنة عم وهي زوجتي وقد عاهدتُها ألا أغيِّرها ولي منها ولد، فقالت: قد رضيتُ أن تجيء إليَّ في الأسبوع نوبتين، فرضي، وقام معها، فعقد العقد، ومضى إلى منزلها، فدخل بها ثم ذهب إلى منزله فقال لزوجته: إن بعض أصدقائي قد سألني أن أكون الليلة عنده، ومضى فبات عندها، وكان يمضي كل يوم بعد الظهر إليها.
فبقي على هذا ثمانية أشهر فأنكرت ابنة عمه أحواله، فقالت لجارية لها: إذا خرج فانظري أين يمضي، فتبعته الجارية، فجاء إلى الدكان، فلما جاءت الظهر قام، وتبعته الجارية وهو لا يدري، إلى أن دخل بيت تلك المرأة، فجاءت الجارية إلى الجيران فسألتهم لمن هذه الدار؟ فقالوا: لصبية قد تزوجت برجل تاجر ” بزاز “، فعادت إلى سيدتها فأخبرتها، فقالت لها: إياكِ أن يعلم بهذا أحد، ولم تُظهر لزوجها شيئًا.
فأقام الرجل تمام السنَة، ثم مرض ومات، وخلَّف ثمانية آلاف دينار، فعمدتْ المرأة التي هي ابنة عمه إلى ما يستحقه الولد من التركة – وهو سبعة آلاف دينار – فأفردتها، وقسَّمت الألف الباقية نصفين! وتركت النصف في كيس وقالت للجارية: خذي هذا الكيس واذهبي إلى بيت المرأة وأعلميها أن الرجل مات وقد خلف ثمانمائة آلاف دينار وقد أخذ الابن سبعة آلاف بحقه وبقيت ألف فقسمتها بيني وبينك وهذا حقك وسلميه إليها!.
فمضت الجارية فطرقت عليها الباب ودخلت وأخبرتها خبر الرجل وحدثتها بموته وأعلمتها الحال، فبكت، وفتحت صندوقها وأخرجت منه رقعة وقالت للجارية: عودي إلى سيدتك وسلِّمي عليها عنِّي وأعلميها أن الرجل طلَّقني! وكتب لي براءة، وردِّي عليها هذا المال فإني ما أستحق في تَرِكته شيئاً، فرجعت الجارية فأخبرتها بهذا الحديث. ” صفة الصفوة ” ( 2 / 532 ، 533 ).
فنوصي النساء والأولياء بشدة عدم قبول الزوج مهما كان دينه واستقامته إذا لم يكن باستطاعته توثيق عقد نكاحه بالطرق الرسمية بعد حصوله شرعًا؛ لما يترتب على عدم توثيقه من مفاسد سيتجرع مرارتها المرأة وأهلها قبل غيرهم.
والله أعلم.


