جعَل خالَه وكيلًا له في الزواج بحضور أخيه ووافقتْ المرأة ووليُّها فهل صحَّ النكاح؟
السؤال
هل صيغة العقد التي سأذكرها إن شاء الله شرعية أم لا؟
صحبتُ والدي ووالدتي وأخي وخالي إلى بيت العروس، قال خالي إلى أبي العروس: هل تقبل أن تعطي ابنتك فلانة إلى ابننا فلان؟ قال الأب: قبلتُ أن أعطيه، وكررها أكثر من مرة، وسأل ابنته فقبلت، وقلت: أنا أيضًا قبلت، والشهود: أخي وخالي، مع العلم أن صيغة ” أعطيتك ” في عرفنا تعني ” زوجتك “، وهذا العرف، ولكن بالرغم من ذلك بقي عندي شك، فطلبت من خالي أن يعيد عليه مرة أخرى فقال والد العروس: ” أعطيناكم “، وكررها أكثر من مرة، لكن لم يذكر المهر؛ لأن المهر عندنا عند إتمام العقد المدني والبناء.
وأنا أعرف أن هذا الأمر ليس هيِّناً فأردت أن أسألكم ويطمئن قلبي، وهل هي زوجتي الآن أم لا؟ مع العلم أنها تبعد عني قرابة ( 250 كلم )، وأنا أردت إتمام العقد الشرعي كي أستطيع أن أتكلم معها وربي عليَّ راض، وهذا كل غرضي.
الجواب
الحمد لله
– أولًا:
يتم العقد الشرعي بالإيجاب من ولي الزوجة – عند جمهور العلماء – ثم القبول من الزوج، أو من وكيله، فإذا تمَّ هذا بحضور شاهدي عدل، أو بوجود إشهار للعقد: كان ذلك العقد صحيحًا مستوفيًا لشروطه وأركانه.
وعقد زواجك تمَّ الإيجاب فيه من وكيلك وهو خالك، وتمَّ القبول من ولي الزوجة ! ثم قبلتْ الزوجة، ثم قبلتَ أنتَ! وعدم كون الإيجاب من الزوج أو من وكيله والقبول من ولي الزوجة منع منه الحنابلة، ولم يصححوا العقد لأجله! والصواب: ما ذهب إليه الشافعية والمالكية – والحنابلة في قول – من أنه ” يستوي عندهم أن يتقدم القبول على الإيجاب أو يتأخر عنه ما دام قد تحدد الموجب والقابل، فلو قال الزوج للولي: زوجني أو تزوجت بنتك كان قبولًا، ولو قال الولي بعد ذلك: زوجتك أو أنكحتك كان إيجابًا، وانعقد النكاح بذلك، إلا أن المالكية قالوا : يندب تقدم الإيجاب ” – كما في ” الموسوعة الفقهية ” ( 41 / 234 ) -.
والحنفية لا يخالفون ما ذهب إليه الشافعية والمالكية ” فالإيجاب عندهم هو ما يصدر أولًا، سواء أكان المتقدم هو كلام الزوج أم كان كلام الزوجة أو وليها، والقبول هو ما يصدر مؤخرًا سواء أكان صدوره من الزوج أم كان من الزوجة أو وليها ” – كما في ” الموسوعة الفقهية ” ( 41 / 234 ) -.
فالعبرة في ذلك إذًا: هو محصِّل العقد الشرعي: وهو رضا الزوجة وموافقة وليها، ووجود الإشهاد – أو الإشهار – وهو ما تمَّ في عقدك، فقد طلبتَ أنت عن طريق وكيلك، ووافقتْ الزوجة ووافق وليها، وكان أخوك وخالك من الشهود على العقد، وبه يكون العقد صحيحاً ولا داعي للشك فيه والريب منه.
– ثانيًا:
واعلم أن شروط صحة النكاح: رضا الزوجين، والولي، والإشهاد أو الإعلان.
- أما رضا الزوجين: فقد تمَّ بحسب ما ذكرتَ لنا في سؤالك.
- وأما موافقة وليها: فقد وافق على الزواج وكان ذلك برضاه بل بتزويجه.
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَليٍّ ). رواه الترمذي ( 1101 ) وأبو داود ( 2085 ) وابن ماجه ( 1881 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
جمهور العلماء يقولون: النكاح بغير ولي باطل، يعزرون من يفعل ذلك، اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا مذهب الشافعي، بل طائفة منهم يقيمون الحد في ذلك بالرجم، وغيره . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 21 ).
- وأما الشهود: فوجود أخيك وخالك كافٍ في ذلك، خلافًا لمن منع أن يكون أحد أصول الزوج أو فروعه شهودًا في النكاح.
* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:
القول الثاني في المسألة: أنه يصح أن يكون الشاهدان أو أحدهما من الأصول أو من الفروع، وهذا القول هو الصحيح بلا شك؛ لأن شهادة الأصول والفروع ممنوعة حيث كانت شهادة للإنسان؛ خشية التهمة، أما حيث تكون شهادة عليه وله كما هو الحال في عقد النكاح: فلا تمنع.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 99 ، 100 ).
– على أننا نوصيك بالإعلان عن النكاح ليتم العقد بأعلى صور الصحة.
* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:
فالأحوال أربعة:
الأول: أن يكون إشهاد وإعلان، وهذا لا شك في صحته، ولا أحد يقول بعدم الصحة.
الثانية: أن يكون إشهاد بلا إعلان، ففي صحته نظر؛ لأنه مخالف للأمر ( أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ) – رواه أحمد وهو حديث حسَن -.
الثالثة: أن يكون إعلان بلا إشهاد، وهذا على القول الراجح جائز وصحيح .
الرابعة: ألا يكون إشهاد ولا إعلان، فهذا لا يصح النكاح؛ لأنه فات الإعلان، وفات الإشهاد ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 96 ، 97 ).
– ثالثًا: والصحيح أن أي لفظ يدل على معنى ” التزوج ” يصح العقد به، وقد جاء في السنة ألفاظ كثيرة في التزويج كـ ” زوَّجتُكها ” و ” أنكحتكها ” و ” ملَّكتها ” وليس هذا للحصر، بل كل ما دلَّ عليه العرف أنه لفظ تزويج انعقد به النكاح.
* سئل علماء اللجنة الدائمة :
سمعتُ كثيرًا من صيغ العقد، منها كلمة ” أنكحتُك “، و ” ملَّكتك ” و ” زوَّجتك “، فما هو الصحيح؟.
فأجابوا:
كل ما يدل من الصيغ على عقد النكاح : يصح عقد الزواج به، كالصيغ المذكورة وما في معناها في أصح قولي العلماء، وأصرحها: ” زوَّجتك ” و ” أنكحتُك “، ثم ” ملَّكتُك “. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 82 ، 83 ).
– رابعًا: وعدم تسمية المهر لا يؤثر في صحة عقد النكاح، فقد دل الكتاب والسنَّة والإجماع على جواز عقد النكاح بدون تقدير مهر.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 39 / 151 ، 152 ):
المهر واجب في كلّ نكاح؛ لقوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ) النساء/ 24، فقد قيَّد الإحلال به، إِلّا أَنَّ ذِكرَ المهرِ في العقد ليس شرطًا لصحّة النّكاح، فيجوز إخلاء النّكاح عن تسميته باتّفاق الفقهاء؛ لقوله تعالى ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) البقرة/ 236، فحكم بصحّة الطّلاق مع عدم التّسمية، ولا يكون الطّلاق إلّا في النّكاح الصّحيح ….
وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يستحب تسمية المهر للنّكاح، لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يُخلِ نكاحاً عنه، ولأنّه أدفعُ للخصومة. انتهى.
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
واتفق العلماء على أن من تزوج امرأة ولم يقدِّر لها مهرًا: صح النكاح، ووجب لها المهر إذا دخل بها، وإن طلَّقها قبل الدخول: فليس لها مهر بل لها المتعة بنص القرآن . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 62 ، 63 ).
– وبه يتبين أنه لا غبار على عقد نكاحك، وتمتع بما أحلَّ الله لك، واحرص على أمرين:
الأول: أن يتم إعلان النكاح للناس.
الثاني: أن تتجنب الدخول في زوجتك قبل إعلان البناء؛ لما يترتب عليه من مفاسد.
والله أعلم.


