حقيقة ” بيع السَّلَم ” وشروطه

السؤال

أنا رجل أعمل في تجارة البلَح حيث أشتري ” جوال البلح ” بـ ( 120 جنيهًا )، وأقوم بتخزينه، جاءني أحد الشباب فقال لي: أقرضني ثمن جوال ( أي : 120 جنيهًا ) على أن أردَّها لك جوالاً من البلح بعد شهرين، علمًا بأن أسعار البلح متذبذبة، فهل هذه المعاملة شرعية أم لا؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

ما سأل عنه الأخ السائل إن كان سيتم بطريق ” القرض ” فتدفع المال للشخص الآخر على أن تسترد منه ” جوال بلح ” بعد شهرين: فهي معاملة محرَّمة؛ لأنه لا يجوز لمن اقترض منك مبلغًا ماليًّا أن يردَّ بدلاً منه طعامًا أو عقارًا أو ما شابه ذلك، بل ذمة المقترض مشغولة بذلك المبلغ الذي أقرضته إياه دون غيره، وجعْل ذمة المقترض مشغولة بـ ” جوال بلح ” يعني جهالة قيمة القرض، فلا يُدرى كم يكون ثمنه وقت القضاء، وقد يكون ثمنه وقت السداد زائداً عن مبلغكَ الذي أقرضتَه إياه فيصير قرضك جارّاً لك منفعة فيكون رباً، لذا فإن ذمة المقترض مشغولة بالمبلغ الذي أقرضته إياه لا غير.

ثانيًا:

ويمكن للمعاملة أن تكون حلالًا إن تمَّت بطريق ” السلّم ” – أو ” السَّلَف ” -، وأصل هذه المعاملة ما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ ( مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَليُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ). رواه البخاري ( 2125 ) ومسلم ( 1604 ).

وخلاصة المعاملة: أن تشتري من الشخص الآخر ” جوال بلَح ” معيَّن الوصف ومحدد الكيل ومعروف الوقت الذي سيوفيك إياه، فتعجِّل له ثمن الكمية ويؤخر دفعَها لك في وقتٍ معلوم.

* وحتى تتم المعاملة على وجهها الشرعي فينبغي تحقيق شروط هذا السلَم، وهذه الشروط هي:

الشرط الأول: أن يكون المسلَم فيه ديْناً موصوفًا في الذمة.

وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء، وأنه لا يصح السلَم إذا جُعل المسلَم فيه شيء معيَّنٌ بذاته.

الشرط الثاني: أن يكون المسلَم فيه معلوم الجنس والنوع.

وهذا – أيضًا – لا خلاف فيه بين الفقهاء، وأنه يُشترط لصحة بيع السلَم أن يكون المسلَم فيه معلومًا مبيَّنًا بما يرفع الجهالة عنه ويسد الأبواب إلى المنازعة بين المتعاقدين عند تسليمه.

ففي حالتكم يجب تحديد نوع البلح ولونه وحجمه بما لا يوقع النزاع بينكما عند دفعه لك.

الشرط الثالث: بيان قدْر المسلَم فيه كيلًا أو وزنًا أو عددًا.

لقوله عليه الصلاة والسلام (مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَليُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ).

فيجب ضبط الكمية المتفق عليها من البلح في الذمَّة ديْناً بصورة لا تدع مجالاً للمنازعة عند الوفاء، فيجب ضبط كمية البلح إما بالوزن أو بالكيل المنضبط، ولا بأس أن يكون ضبطه بـ ” الجوال ” إذا عُلم أن هذا الجوال يسع كمية محدودة معروفة، وهذا هو الغالب المعروف من ” الجوالات ” التي يوضع فيها الأرز والسكر والطحين، فتكون معلومة الكيل في الأسواق.

الشرط الرابع: أن يكون المسلَم فيه مؤجلًا.

وهو ما اشترطه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، وعندهم أنه لا يصح السلَم الحالّ، وحجتهم في اشتراط الأجل قوله صلى الله عليه وسلم ( إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ).

الشرط الخامس: أن يكون الأجل معلومًا.

وقد اتفق الفقهاء على أن معلومية الأجل الذي يوفى فيه المسلم فيه شرط لصحة السلم، لقوله صلى الله عليه وسلم ( إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ) ، فقد أوجب معلومية الأجل.

ويتم العلم بالأجل بتقدير مدته بالأهلَّة نحو أول شهر رجب أو أوسط محرم أو يوم معلوم منه، أو بتحديده بالشهور الشمسية المعروفة عند المسلمين والمشهورة بينهم مثل أول شباط وآخر آذار أو يوم معلوم منه، أو بتحديد وقت محل المسلم فيه، كأن يقال: بعد ستة أشهر أو شهرين أو سنة ونحو ذلك.

الشرط السادس: أن يكون المسلَم فيه مقدور التسليم عند محله.

ومقتضى هذا الشرط: أن يكون المسلَم فيه مما يغلب وجوده عند حلول الأجل، وهذا شرط متفق عليه لصحة السلم بين الفقهاء؛ وذلك لأن المسلَم فيه واجب التسليم عند الأجل، فلا بد أن يكون تسليمه مقدورا عليه حينذاك، وإلا كان من الغرر الممنوع.

الشرط السابع: قبض الثمن كاملاً وقت السلَم قبل التفرق.

فيجب قبض رأس مال السلَم في مجلس العقد كاملاً، فإن تفرقتما قبل القبض: بطل العقد، وهو قول جمهور العلماء. انظر هذه الشروط وتفصيلها في ” المغني ” لابن قدامة (4/338 – 362 ) ، و” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 206 – 215 ).

ثالثًا:

وثمة معاملتان أخريتان جائزتان يمكنك عقد إحداهما مع ذاك الشاب الراغب بتلك الكمية من ” البلح “:

  1. لك أن تقرضه كمية البلَح تلك على أن يردَّ مثلها في وقت تتفقان عليه.
  2. لك أن تبيعه تلك الكمية من البلَح بسعر يومها – أو أكثر على اعتبار طول مدة السداد وهو ما يسمَّى ” بيع التقسيط “.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة