هل يجوز للمسلم أداء ديْنه من زكاة ماله؟ وهل يجوز دفع أجرة بيت مَدين من الزكاة؟

السؤال

أخي عليه ديون ضخمة – عدة ملايين – وله بيتان – أي: أسرتان – يعني: متزوج زوجتين – ولأخي في ذمتي مبلغ من المال لا يتجاوز مئة ألف، واتفقت معه أن أقسطه له على مدى سنة كمصرف لأسرتيه، كما له في ذمة بعض أهله ما يقارب هذا المبلغ لكن لا يريدون التسديد ورد ماله حاليّاً، فهل يجوز أن أدفع له من زكاة مالي لأسدِّد أجرة بيته؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يفرِّج كرب أخيك وأن ييسر له قضاء ديْنه، ونشكر لك حرصك على تبرئة ذمتك بسداد ما عليك من ديْن له، وكون السداد سيكون أقساطاً لا يؤثر بل نراه أفضل له ولأسرتيه حتى يجد ما ينفقه عليهم.

ونحذِّر من يجد ما يؤدِّي ديْنه ولا يفعل من عاقبة ذلك، وقد سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ظلماً فقال ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ) رواه البخاري ( 2166 ) ومسلم (1564).

* قال النووي – رحمه الله -:

قال القاضي وغيره: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه، فمطل الغني: ظلم، وحرام، ومطل غير الغني: ليس بظلم، ولا حرام؛ لمفهوم الحديث، ولأنه معذور.

” شرح مسلم ” ( 10 / 227 ).

ثانيًا:

وأما قولك ” فهل يجوز أن أدفع له من زكاة مالي لأسدِّد أجرة بيته؟ “: فهو محتمل عندنا لأمرين:

الأول: أنك إن كنتَ تقصد أنك تريد سداد ديْنك لأخيك من زكاة مالكِ: فهذا لا يحل لك؛ لأنك لا تكون بذلك قد وضعت مالك في مصارفه الشرعية، بل تكون وضعتها فيما يعود نفعه عليك!.

الثاني: أنك لا تريد بذلك المال أن يكون سدادًا لديْنك، بل تريد جعل دفع أجرة بيوت أخيك من زكاة مالك بالإضافة لالتزامك بسداد الديْن، وعلى هذا الاحتمال نقول: إنه يجوز لك في حال ولا يجوز في حال أخرى.

أما الحالة غير الجائزة: فهي أن تدفع أجرة البيتين من زكاة مالك بعد مرور الحول على مالك؛ لأن في فعلك هذا تأخيراً للزكاة عن الدفع، ودفع الزكاة واجب على الفور، وإنما يُسمح بالتأخير اليسير لا ما تفعله بعض لجان الزكاة من تقسيم الزكاة للفقراء على دفعات شهرية! وإنما الواجب هنا إخراج الزكاة على الفور وصرفها في مصارفها الشرعية، وهذا قول جمهور العلماء، وهو المفتى به عند الحنفية.

  1. ففي ” الدر المختار ” لمحمد الحصكفي الحنفي ( 2 / 271 ، 272 ):

( وافتراضها عمري ) أي: على التراخي، وصححه الباقاني وغيره ( وقيل: فوري ) أي : واجب على الفور ( وعليه الفتوى ) كما في ” شرح الوهبانية ” ( فيأثم بتأخيرها ) بلا عذر ( وترد شهادته ) لأن الأمر بالصرف إلى الفقير معه قرينة الفور وهي أنه لدفع حاجته وهي معجلة فمتى لم تجب على الفور لم يحصل المقصود من الإيجاب على وجه التمام وتمامه في ” الفتح “. انتهى. و ” الفتح ” هو ” فتح القدير ” لابن الهمام الحنفي.

  1. وفي ” حاشية الدسوقي ” لمحمد عرفة الدسوقي المالكي ( 1 / 500 ):

وأما بقاؤها عنده وكل ما يأتيه أحد يعطيه منها فلا يجوز كما قاله شيخنا ” عدوي “. انتهى.

  1. وفي ” المجموع شرح المهذب ” للنووي الشافعي ( 5 / 218 ):

الزكاة عندنا يجب إخراجها على الفور، فإذا وجبت وتمكن من إخراجها: لم يجز تأخيرها، وإن لم يتمكن: فله التأخير إلى التمكن، فإن أخر بعد التمكن: عصى وصار ضامنا، فلو تلف المال كله بعد ذلك : لزمته الزكاة، سواء تلف بعد مطالبة الساعي أو الفقراء أم قبل ذلك، وهذا لا خلاف فيه. انتهى.

  1. وفي ” المغني ” لابن قدامة الحنبلي ( 2 / 539 ):

فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو ذي حاجة شديدة: فإن كان شيئًا يسيرًا: فلا بأس، وإن كان كثيرًا: لم يجز، قال أحمد: لا يجري على أقاربه من الزكاة في كل شهر، يعني: لا يؤخر إخراجها حتى يدفعها إليهم متفرقة في كل شهر شيئًا.

فأما إن عجلها فدفعها إليهم أو إلى غيرهم متفرقة أو مجموعة: جاز؛ لأنه لم يؤخرها عن وقتها. انتهى.

وأما الحالة الجائزة: فهي إن كانت تلك الأجور للبيتين قبل حلول وقت الزكاة، فيكون هذا من باب تعجيل الزكاة، وهذا جائز على الراجح، وهو قول أكثر أهل العلم.

* قال الترمذي – رحمه الله -:

وقد اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها، فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها، وبه قال سفيان الثوري قال : أحب إليَّ أن لا يعجلها، وقال أكثر أهل العلم إن عجلها قبل محلها: أجزأت عنه، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.

” سنن الترمذي ” ( 3 / 63 ).

والخلاصة:

لا يجوز لك دفع أجور بيتي أخيك تأخيرًا للزكاة عن وقتها، ويجوز لك تعجيلًا لها قبل حلول وقتها، ولا يجوز لك سداد ديْنك من زكاة مالك.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة