هل يجوز له أن يحجِّج أمَّه من زكاة ماله؟

السؤال

أنا رجل ميسور الحال، وقد قررت أن أحجج أمي هذا العام، فهل يجوز اعتبار المبلغ الذي سوف أرسله لها لتستخدمه في نفقات الحج من زكاة مالي؟ بمعنى آخر: هل من أوجه نفقات زكاة المال أن أصرفها في إسقاط فريضة الحج عن أمي؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إذا كانت الوالدة لا تملك من المال ما تحج به: فإنه يسقط عنها الحج حتى تكون قادرة؛ لقول الله سبحانه وتعالى ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) آل عمران/ 97، وفسِّرت الاستطاعة بالزاد والراحلة.

ثانيًا:

وهل يجب على الابن الميسور تحجيج والديه؟ الظاهر عدم وجوب ذلك، ومن فعله فإنما يفعله من باب البر المستحب لا الواجب.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فلا ريب أن الحج إنما يجب مع الاستطاعة كما قال عز وجل ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) آل عمران/ 97 ، وثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال – لمَّا ذكر أركان الإسلام -: ( وحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا ) وما دامت الوالدة لا تستطيع الحج: لا يلزمها الحج، ولا يلزمك تحجيجها، لكن إذا فعلتَ ذلك: فهو من باب القربات ومن باب البر والصلة ومن باب الإحسان فيها، تحقيقًا لرغبتها، وإعانة لها على الخير والفضل.

” نور على الدرب ” ( شريط رقم 489 ).

ثالثًا:

وإذا أراد الابن أن يحجج والديه أو أحدهما فهل يشترط أن يكون قد حجَّ هو من قبل؟ هذا هو الأفضل والأولى، ولكنه ليس حتمًا واجبًا، ومن فعل خلافه فيصح فعله ويصح حج والديه.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز للإنسان أن يُرسل والديه إلى الحج قبل أن يذهب هو إلى الحج؟.

فأجابوا:

الحج فريضة على كل مسلم حر عاقل بالغ مستطيع السبيل إلى أدائه، مرة في العمر، وبر الوالدين وإعانتهما على أداء الواجب أمر مشروع بقدر الطاقة، إلا أن عليك أن تحج عن نفسك أولًا، ثم تعين والديك إن لم يتيسر الجمع بين حج الجميع، ولو قدمت والديك على نفسك: صحَّ حجُّهما.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 70 ، 71 ).

رابعا:

وهل يجوز أن يكون المال الذي يحجِّج به الابنُ والديه أو أحدهما من زكاة ماله؟ اختلف العلماء في جواز ذلك وقد ذهب جمهورهم إلى عدم دخول الحج في مصارف الزكاة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 23 / 323 ، 324 ):

ذهب جمهور العلماء ( الحنفية والمالكية والشافعية والثوري وأبو ثور وابن المنذر وهو رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: إنه الصحيح ) إلى أنه لا يجوز الصرف في الحج من الزكاة؛ لأن سبيل الله في آية مصارف الزكاة مطلق، وهو عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، لأن الأكثر مما ورد من ذكره في كتاب الله تعالى قصد به الجهاد، فتحمل الآية عليه.

وذهب أحمد في رواية، إلى أن الحج في سبيل الله فيصرف فيه من الزكاة، لما روي أن رجلًا جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا خرجت عليه فإن الحج من سبيل الله.

فعلى هذا القول لا يعطى من الزكاة من كان له مال يحج به سواها، ولا يعطى إلا لحج الفريضة خاصة، وفي قول عند الحنابلة: يجوز حتى في حج التطوع. انتهى.

* وقال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

” ولا يُعطى منها في الحج ” في رواية اختارها في المغني وصححها في ” الشرح “، وقاله أكثر العلماء؛ لأن ( سبيل الله ) حيث أُطلق ينصرف إلى الجهاد غالباً، والزكاة لا تُصرف إلا لمحتاج إليها كالفقير، أو مَن يَحتاجه المسلمون كالعامل، والحج لا نفع فيه للمسلمين ولا حاجة بهم إليه، والفقير لا فرض في ذمته فيسقطه، وإن أراد به التطوع: فتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة أو صرفها في مصالح المسلمين: أولى. ” المبدع شرح المقنع ” ( 2 / 387 ).

وخالف الإمام أحمد – في رواية عنه – فأجاز دفع الزكاة في الحج، وقد اشترط حذَّاق القائلين بهذه الرواية ثلاثة شروط:

  1. أن يكون الراغب بالحج فقيرًا لا يجد ما يحج به.
  2. وأن يكون ذلك الحج من زكاة غيره لا من زكاة ماله نفسه.
  3. وأن يكون ذلك من أجل حجة الإسلام لا لحج التطوع.

* قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

” وعنه – يعني: الإمام أحمد -: يُعطى الفقير ” فهو من السبيل، نصَّ عليه، وهو المذهب، وروي عن ابن عباس وابن عمر؛ لما روى أبو داود – وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود  ” – أن رجلًا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ( اركبيها فإن الحج في سبيل الله ).

ويشترط له الفقر، ومعناه: أن يكون ليس له ما يحج به سواها، وقيل: لا، وهو ظاهر ” الوجيز ” فيجوز للغني كوصيته بثلثه في السبيل ذكره أبو المعالي.

” قدر ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه ” جزم به غير واحد؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض والتطوع له عنه مندوحة، ولكن ذكر القاضي جوازه في النفل كالفرض، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وصححه بعضهم لأن كلاًّ ( في سبيل الله) والفقير لا فرض عليه فهو منه كالتطوع، فعلى هذا يدفع إليه ما يحج به حجة كاملة وما يعينه في حجه، وعلم منه أنه لا يجوز أن يحج من زكاة نفسه كما لا يجوز أن يغزو بها. ” المبدع شرح المقنع ” ( 2 / 387 ، 388 ).

والقول بجواز صرف الزكاة في تحجيج غير القادرين هو الأصوب عندنا، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير: أُعطيَ ما يحج به.

” الاختيارات ” ( ص 105 ) ويعني رحمه الله: يُعطى من الزكاة

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

هل الزكاة مسموح بصرفها على إركاب وإنفاق الحج لفقراء المسلمين الذين لا يملكون شيئًا لأداء الفريضة والذين هم معفون منها؟.

فأجابوا:

يجوز صرف الزكاة في إركاب فقراء المسلمين لحج فريضة الإسلام، ونفقتهم فيه؛ لدخوله في عموم قوله تعالى ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ) من آية مصارف الزكاة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 10 / 38 ).

وعليه: فيجوز لك أن تحجِّج أمَّك من زكاة مالك، وإن احتطت وخرجت من الخلاف فحججتها من حرِّ مالك: فهو أفضل، ونرجو الله أن يتقبل منك ومنها.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة