هل يجوز الدعاء للكافر الحي بالمغفرة والرحمة؟

السؤال

قال تعالى ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا )، إن والدتي تاركة للصلاة، وبحسب ما أعلم أن تارك الصلاة خارج من الملة، فكيف يجوز لي أن أدعو لها بالرحمة إذًا؟.

لكنّ أحد طلبة العلم قال لي: إنه يجوز أن أدعو لها بهذا الدعاء في حال حياتها فقط؛ لأن الله قد يرحمها فيهديها للصلاة، فهل هذا صحيح؟.

وهل يصح أن أدعو بهذا الدعاء لوالدي؟ وكيف تكون صيغة الدعاء باللغة العربية إذا دعوت له؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يهديَ والدتك لما يحب ويرضى، وأن يجعلها من القانتات العابدات، وأن يقرَّ عينك بهدايتها وصلاحها، كما نسأله تعالى أن يجمع شمل أسرتكم في الدنيا على الطاعة وفي الآخرة في الفردوس الأعلى.

ثانيًا:

وما قاله طالب العلم من أنه يجوز الدعاء بالرحمة لغير المسلم في حياته : صحيح، والمعنى بيِّن واضح، فمن رحمه الله في حياته جعله من عباده الطائعين المستقيمين، ومن حُرم الرحمة في الدنيا حُرِمها في الآخرة.

والأصح الذي لا إشكال في جوازه وصحته أنه يُدعى للكافر الحي بالهداية، لا بالرحمة ولا بالمغفرة، وفي ذلك خروج من خلاف قائم في المسألة.

ومما يدل على هذا الأصح ما رواه الترمذي ( 2739 ) وأبو داود ( 5038 ) عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ، فَيَقُولُ ( يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ ).

ثالثًا:

ولا خلاف بين العلماء في أنه لا يُدعى بالمغفرة والرحمة للكافر الذي مات على الكفر.

* قال النووي – رحمه الله -:

الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة: حرام بنص القرآن والإجماع.

” المجموع ” ( 5 / 144 ).

*  وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنَّة والإجماع.

” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 489 ).

وأما الدعاء بالرحمة والمغفرة للكافر الحي: فثمة أقوال كثيرة للعلماء في جواز ذلك، لا على معنى مغفرة شركه وكفره إن مات عليهما، ولا أن يرحمه ربه تعالى وقد لقيه كافرًا، ولكن ذلك الدعاء محمول على تحقيق ما يكون سببًا في مغفرته ورحمته وهو أن يوفَّق للإسلام، وهذا أحد الوجوه التي يُحمل عليها قوله تعالى- على لسان إبراهيم عليه السلام – ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) إبراهيم/ 36، وقوله صلى الله عليه وسلم ( اللهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) – رواه البخاري ( 3290 ) ومسلم ( 1792 ) -.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

( وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ولم يقل ” فإنك عزيز حكيم ” لأن المقام استعطاف وتعريض بالدعاء، أي: إن تغفر لهم وترحمهم بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد ومن المعصية إلى الطاعة كما في الحديث ( اللهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ). ” مدارج السالكين ” ( 1 / 36 ، 37 ).

* وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -في شرح حديث (اللهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي ) -:

معناه: اهدهم إلى الإسلام الذي تصح معه المغفرة؛ لأن ذنب الكفر لا يُغفر، أو يكون المعنى: اغفر لهم إن أسلموا.

” عمدة القاري شرح صحيح البخاري  ” ( 23 / 19 ).

وذكر الحافظ ابن حجر هذين الوجهين في ” فتح الباري ” ( 11 / 196 ).

وبجواز الدعاء بالرحمة والمغفرة على هذا المعنى قال طائفة من العلماء:

1.*  قال القرطبي – رحمه الله -:

وقد قال كثير من العلماء: لا بأس أن يدعوَ الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيَّيْن، فأما من مات: فقد انقطع عنه الرجاء فلا يُدعى له.

” تفسير القرطبي ” ( 8 / 274 ).

  1. * قال الآلوسي – رحمه الله -:

والتحقيق في هذه المسألة: أن الاستغفار للكافر الحي المجهول العاقبة بمعنى طلب هدايته للإيمان مما لا محذور فيه عقلًا ونقلًا، وطلب ذلك للكافر المعلوم أنه قد طُبع على قلبه وأَخبر الله تعالى أنه لا يؤمن وعلم أن لا تعليق في أمره أصلًا: مما لا مساغ له عقلًا ونقلًا، ومثله طلب المغفرة للكافر مع بقائه على الكفر على ما ذكره بعض المحققين، وكان ذلك – على ما قيل – لما فيه من إلغاء أمر الكفر الذي لا شيء يعدله من المعاصي، وصيرورة التكليف بالإيمان – الذي لا شيء يعدله من الطاعات – عبثاً، مع ما في ذلك مما لا يليق بعظمة الله عز وجل.

” روح المعاني ” ( 16 / 101 ).

والخلاصة:

الأفضل أن تدعو لوالدتك بالهداية والتوفيق، وأن يشرح الله صدرها للقيام بما أمرها الله تعالى به، ولو دعوت لها بالرحمة فلا مانع بشرط أن يكون ذلك بمعنى التوفيق والهداية لما تستحق به الرحمة، وهو الصلاة.

 

والله أعلم.

1 تعليق

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة