يقدِّمهم ليصلون التراويح بالناس ويوتر هو بهم ثم يرجعون للصلاة فما الرأي في هذا؟
السؤال
فسؤالي حول موضوع الصلاة مع الإمام حتى ينصرف، في المسجد الذي نصلِّي فيه الذي يؤم بالمصلين أصدقائي بإذن الإمام الراتب الذي يسمح لهم بالإمامة بالمصلين في التراويح لأن أصواتهم أجمل، والذي يحدث أن أصدقائي يصلون في المصلين ثمان ركعات وبعدها ينصرفون ويتقدم الإمام الراتب ويصلي بالناس الوتر ثلاث ركعات، وبعد انتهائه يعود أصدقائي ويكملون بالمصلين الذين يريدون البقاء إحدى وعشرين ركعة فماذا نفعل نحن حتى نأخذ أجر الصلاة مع الإمام حتى ينصرف؟ هل نصلِّي الوتر مع الإمام الراتب أم نشفع مع الإمام الراتب ثمَّ نصلِّي مع أصدقائنا ونوتر معهم؟ ماذا نفعل؟ وهذا يحدث في كثير من المساجد في ” المملكة الأردنية “، وأخيرًا: أصدقائي يقومون بعد الانتهاء من الثمان ركعات بالانفصال عن الإمام وعدم الصلاة معه، فهل فعلهم صحيح أم عليهم عدم مفارقة الإمام أيضاً حتى يأخذوا أجر القيام؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
تقديم الإمام الراتب لمن يصلِّي بالناس ممن عُرفوا بالصوت الحسن: لا حرج فيه، والقراءة بالصوت الحسن بالقرآن أمر مرغَّب فيه، وسماعه يعين على فهم آيات القرآن وعلى الطمأنينة في الصلاة
ثانيًا:
وختم الإمام لصلاة الناس بالوتر يصليها هو بنفسه في الناس يجعل من صلاتهم صلاة واحدة، وتنوع الأئمة في الصلاة الواحدة وفي المكان الواحد لا يجعل منها أكثر من صلاة، وخاصة أنها بإذن الإمام وهو من يقوم بختمها بالوتر.
وعليه: فمن صلَّى مع أولئك الأئمة أصحاب الأصوات الحسنة، وصلَّى خلف الإمام صلاة الوتر: فقد صلَّى صلاة كاملة مع إمامه، ويكتب له – إن شاء الله – أجر قيام ليلة كاملة.
وعليه – أيضًا -: فانصراف أولئك الأئمة – ومن معهم – قبل صلاة الإمام للوتر، وعدم صلاتها معه: يحرمهم من ذلك الأجر الجليل – وسيأتي زيادة بيان -.
ثالثًا:
والذي يظهر لنا أن رجوع أولئك الأئمة الأصدقاء ليصلوا بالناس أكثر مما صلاه الإمام، سواء مباشرة أو بعد حين: لا يحرِم مَن انصرف مع الإمام مِن أجر قيام ليلة؛ لأن صلاة الإمام بالناس قد انتهت بوتره، ومن رجع للمسجد ليزيد عليها فشأنه، لكن لا تُحسب صلاته أنها جزء من صلاة الإمام.
* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:
هل الإمامان في مسجد واحد يعتبر كل واحد منهم مستقلاًّ، أو أن كل واحد منهما نائب عن الثاني؟.
الذي يظهر الاحتمال الثاني، أن كل واحد منهما نائب عن الثاني مكمل له، وعلى هذا: فإن كان المسجد يصلِّي فيه إمامان: فإن هذين الإمامين يعتبران بمنزلة إمام واحد، فيبقى الإنسان حتى ينصرف الإمام الثاني، لأننا نعلم أن الثانية مكملة لصلاة الأول. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 14 / 207 ).
ورجوع من يشاء من الناس ليصلي زيادة على صلاة الإمام من غير حضوره: يجعل منها صلاة مستقلة منفصلة عن الصلاة الأولى التي كانت بتقديم الإمام لمن يصلي بالناس وبختمه لها بصلاة الوتر.
وهذا بخلاف ما لو أن الإمام رأى أن يصلِّي القيام أول الليل وآخره – كما هو الحال في الحرم المكي والمدني – فإن الظاهر أنها تكون – والحالة هذه – صلاة واحدة، ويدل على ذلك ختمه لها بالوتر آخر الصلاة، بخلاف حال مَن صلَّى مع الناس أول الليل، ثم سمح لمن رغب في الزيادة على ذلك أن يرجع ويزيد في صلاته في المسجد ما يشاء.
رابعًا:
ومن أراد من الراغبين بالرجوع بعد صلاة الإمام من اكتساب أجر قيام ليلة كاملة فليوتر مع الإمام؛ ليكون منصرفًا معه، وليصلِّ بعدها ما يشاء مثنى مثنى من غير وتر آخر؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن وترين في ليلة، والوتر لا يمنع من الصلاة بعده -.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
إذا صليت مع الإمام صلاة التراويح: فالأفضل أن توتر معه؛ لتحصل على الأجر الكامل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَة ) رواه أبو داود والترمذي.
وإذا قمت من آخر الليل وأردت أن تصلِّي: فصل ما تيسر بدون وتر؛ لأنه لا وتران في ليلة كما سبق.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.
” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 54 ).
* وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
ولو أن الإنسان صلى التراويح وأوتر مع الإمام، ثم قام من الليل وتهجد: لا مانع من ذلك، ولا يعيد الوتر، بل يكفيه الوتر الذي أوتره مع الإمام، ويتهجد مع الإمام ما يسر الله له، وإن أخَّر الوتر إلى آخر صلاة الليل: لا مانع، ولكن تفوته متابعة الإمام، والأفضل أن يتابع الإمام، وأن يوترا معًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَة ) – رواه الترمذي ( 806 ) وأبو داود ( 1375 ) والنسائي ( 1605 ) وابن ماجه ( 1327 ) -، فيتابع الإمام ويوتر معه، ولا يمنع هذا أن يقوم من آخر الليل فيتهجد.
” مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 1 / 435 ).
وذهب بعض أهل العلم إلى وجه آخر يقال لأولئك الراغبين بالرجوع للصلاة بعد صلاة إمام المسجد إذا أرادوا أجر قيام ليلة، وهو أن يقوموا بعد سلام الإمام من الوتر ليأتوا بركعة واحدة تجعل صلاتهم شفعًا؛ فيكونون بذلك قد صلوا مع الإمام حتى انصرف، وحتى يكون في مقدورهم جعل وترهم آخر الصلاة.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
قوله: ” فإن تبع إمامه شفعه بركعة ” يعني: إذا تابع المتهجِّدُ إمامَه فصلَّى معه الوتر: أتمّه شفعًا، فأضاف إليه ركعة، وهذا هو الطريق الآخر للمتهجِّد؛ فيتابعُ إمامَهُ في الوِتر ويشفعه بركعة؛ لتكون آخر صلاته بالليل وِترًا.
فإذًا: يتابع الإمام، فإذا سَلَّم الإمام من الوتر: قام فأتى بركعة وسَلَّم، فيكون صَلَّى ركعتين، أي: لم يُوتر، فإذا تهجَّد في آخر الليل: أوتر بعد التهجُّد، فيحصُل له في هذا العمل متابعة الإمام حتى ينصرف، ويحصُل له – أيضًا – أن يجعل آخر صلاته بالليل وِترًا، وهذا عمل طيب.
فإنْ قال قائل: ألا يخالفُ هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم ( مَنْ قامَ مع الإمامِ حتى ينصرفَ كُتبَ له قيامُ ليلةٍ ).
قلنا: لا يخالفه؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: مَنْ قامَ مع الإمام فانصرفَ معه كُتب له قيامُ ليلةٍ، بل جَعل غاية القيام حتى ينصرفَ الإمامُ، ومَنْ زاد على إمامه بعد سلامِهِ فقد قامَ معه حتى انصرفَ.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 65 ، 66 ).
والأقرب: الأول، أي: أن يوتر المصلي مع إمامه، ولا نختار له القيام بعد إمامه؛ خروجاً من الخلاف في انطباق الحديث عليه في الانصراف مع الإمام، وهو أبعد عن الرياء؛ فقيام أحدهم في حضرة أناس كثيرين ليأتي بركعة قد يكون مدخلًا للشيطان على قلبه من جهتين:
الأولى: النظر لنفسه بعين الإعجاب، ومحبة مدح الناس له وثنائهم عليه.
الثانية: ازدراء الناس الذين أنهوا صلاتهم وأنهم مقصرون في طاعة الله.
وكلاهما خطير، لذا فلا نرى للراغب بالزيادة على صلاة الإمام أن يشفع بركعة، ونرى أن يوتر مع إمامه ليحصِّل الأجر كاملًا، ثم ليصل الليل بطوله إن شاء.
والله أعلم.


