الاستهزاء متى يكون كفرًا مخرجًا من الملَّة؟ ومتى يكون كبيرة؟

السؤال

إذا قال قائل لشخص ” اقرأ على هذا الجهاز يعمل ” أو ” لأنك قرأت عليه ما عمل ” بقصد الضحك من هذا الكلام, هل يدخل هذا بالاستهزاء في الآيات؟ أم هو استهزاء بالشخص؟ وما الضابط في الاستهزاء حفظكم الله؟.

الجواب

الحمد لله

الاستهزاء – ويطلق عليه ” الاستخاف ” و ” السخرية ” – منه ما هو كفر أكبر يُخرج من الملة، ومنه ما هو كبيرة من كبائر الذنوب، ومنه ما هو محتمل للحُكمين.

  1. فأما كان منه استهزاء بالله تعالى أو بالقرآن أو بالرسول صلى الله عليه وسلم: فهو كفر مخرج من الملة، وقد دلَّ على هذا قوله تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) التوبة/ 65،66.

* وقد أجمع على ذلك أهل العلم بلا خلاف يُعرف بينهم.

  1. وأما ما كان منه استهزاء بذات الأشخاص وأفعالهم الدنيوية المجردة: فهو فسق، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، وفيه يقول تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنّ ) الحجرات/11 .
  2. وأما المحتمل لكونه كفرًا مخرجًا من الملة ولكونه كبيرة من كبائر الذنوب: فهو الاستهزاء بالمسلم بتدينه وهيئته الموافقة للسنَّة، فإن كان الاستهزاء لذات الشرع الملتزم به ذلك المسلم: فقد رجع الاستهزاء لله تعالى المشرع وللرسول صلى الله عليه وسلم المبلِّغ، فيكون كفرًا مخرجًا من الملة، وإن كان الاستهزاء يرجع لذات المسلم لأنه – مثلًا – ليس أهلًا لأن يُظهر أنه متدين، أو لأنه يبالغ أو يتشدد في تطبيق السنَّة بما لم تدل عليه النصوص: فيكون الاستهزاء هنا كبيرة؛ لأنه لا يرجع على إحدى الأمور الثلاثة التي يكفر المستهزئ بها، وإنما هو عائد إلى ذات الشخص نفسه.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل من يستهزئ بالدين بأن يسخر من اللحية أو من تقصير الثياب هل يعد ذلك من الكفر؟.

فأجاب:

هذا يختلف إذا كان قصده الاستهزاء بالدِّين: فهي ردة، كما قال تعالى ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ).

أما إذا كان يستهزئ من الشخص نفسه بأسباب أخرى من جهة اللحية أو من جهة تقصير الثياب، ويعني بذلك أنه متزمت، وأن يستهزئ بأمور أخرى يشدد في هذا أو يتساهل في أمور أخرى يعلم أنه جاء بها الدين، فليس قصده الاستهزاء بالدين، بل يقصد استهزاءه بالشخص بتقصيره لثوبه أو لأسباب أخرى.

أما إذا كان قصده الاستهزاء بالدين والتنقص للدين: فيكون ردة، نسأل الله العافية .

* وسئل – بعدها -:

إن كان يقول: أنا أقول ذلك للناس من باب الضحك والمزاح؟.

فأجاب:

هذا لا يجوز، وهذا منكر وصاحبه على خطر، وإن كان قصده الاستهزاء بالدين: يكون كفرًا. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 365 ، 366 ).

وعليه:

فإذا كان استهزاء المتكلم بما جاء في السؤال بذات الرقية: فهو كفر مخرج عن الملة؛ لأن الاستهزاء عاد إلى الله تعالى المتكلم بالقرآن وإلى القرآن نفسه، والاستهزاء بأحدهما كفر مخرج عن الملة، فكيف بهما مجتَمعين؟! وأما إن كان الاستهزاء بالشخص نفسه وأنه ليس أهلاً للرقية، أو أنه يدعي أنه يعالج بالقرآن وحقيقته ليست كذلك: فيرجع الاستهزاء هنا بالشخص نفسه، ولا يكون كفرًا بل كبيرة من كبائر الذنوب.

ونحذر المسلمين جميعًا من الوقوع في هذا الذنب العظيم، وما أكثر ما يقع من الناس استهزاء بالشرع أو حملته، وهو ما يؤدي بهم إلى الوقوع في الكفر أو القرب من الوقوع، وليُعلم أن إضحاك الناس وعدم قصد الانتقاص من الشرع ليس بعذرٍ في عدم التكفير؛ لأن الاستهزاء كفر أكبر مخرج من الملة بذاته من غير نظر إلى قصد الشخص، وهذا في حال كون الاستهزاء بالله أو رسوله أو القرآن؛ فالاستهزاء منافٍ للإيمان بكل حال سواء كان بالقلب أو باللسان.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الاستهزاء بالقلب والانتقاص ينافي الإيمان الذي في القلب منافاة الضد ضده، والاستهزاء باللسان ينافي الإيمان الظاهر باللسان كذلك. ” الصارم المسلول ” ( ص 375 ).

وليُعلم أن الجالس مع ذلك المستهزئ إن لم يُنكر عليه فعله، بل شارك بالسكوت أو الضحك: فإنه شريك له في الجرم والحكم، وفي ذلك يقول تعالى ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَىءُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) النِّسَاء/ 140.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم الجلوس معهم في المكان الذي يُكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها، وأقررتموهم على ذلك: فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 435 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة