الرد على من زعم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم لعقيدة عذاب القبر من اليهود!

السؤال

في أحد المنتديات عنْون أحد منكري السنة العنوان التالي ” اليهود يعلِّمون محمدًا دينه وعقيدته “، وذكر الحديث عن عذاب القبر وعن اليهودية أنها هي التي علَّمت الرسول صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، وهو بذلك يريد من هذا الإشكال نفي أحاديث عذاب القبر، وكتب أيضًا.

وتساءل:

هل كانت هذه القدرة في معرفة ما يحدث في القبر مخفية عن النبي ولم يُعط مفاتيحها إلا في المدينة بعد أن علمته اليهودية عقيدة عذاب القبر فكيف أعطيت هذه القدرة له؟ ومتى حدث  ذلك؟ وما الدليل على حصولها بعد انتفائها؟.

وقال أيضًا:

العقيدة نزلت كاملة في أول بعثة النبي، وهذا أمر واجب، وإلا فكيف يكمل رسول الله الدعوة إلى الإسلام بعقيدة ناقصة؟ وكيف يموت كثير من الصحابة المسلمين في مكة دون أن يؤمنوا بعذاب القبر – هذا لو كان صحيحًا -؟ وهل يصح أن يكون إيمان من مات منهم ناقصًا؟!.

وقال أيضًا:

– العقيدة لا تؤتى من البشر بل من رب البشر، العقيدة أمر رباني خالص، لا يمكن أن يتعلمها بشر نقلًا عن بشر، إذ لا بد أن تأتِ هذه العقيدة من عند الله، وإلا فإن أهل الكتاب يؤمنون بالجنة والنار والحساب ويوم البعث والقيامة ويؤمنون بالملائكة والرسل، فهل أخذ رسول الله عقيدته من أهل الكتاب؟ إذا آمنا أن عقيدة عذاب القبر هي من تعليم اليهود فنحن نسدي خدمة للطاعنين في الرسالة الذين يقولون إن محمدًا أخذ دينه عن اليهود والنصارى!!.

لذا أرجو التكرم بالتوضيح عن عذاب القبر هل هو جزء من العقيدة؟ ولماذا، أو الحكمة من أن تأخر بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه إلى ذكرت ذلك اليهودية.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

المنكرون للسنَّة والمبطلون لأدلتها يتبعون أهواءهم ويبنون ما يدعونه على هوى ويقيمون دعواهم على جهل بالسنَّة وأدلتها، فليس لهم همٌّ إلا التشكيك بالشرع المطهَّر ظانين أنهم بذلك ينالون مبتغاهم بصد المسلمين عن اتباع نبيهم وتعظيم سنَّته.

ولن يكون لنا معهم هنا حديث، لكننا سنبين للمسلمين المسألة التي أرادوا التشكيك بها والطعن في السنَّة من أجلها، وعسى الله أن يهدي قلوبهم لاتباع الحق.

ثانيًا:

المسألة التي جاءت في السؤال لها جوابها باختصار: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أوحي إليه أنه ثمة عذاب في القبر لكنه على غير المسلمين، ولهذا لما ادَّعت يهودية أن المسلمين داخلون في هذا الوعيد كذَّبها النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر أن هذه الأمة ليس عليها عذاب في قبورها، ثم أوحي إليه صلى الله عليه وسلم في المدينة أن أمته تبتلى في قبورها وأن العذاب واقع في قبورها على من شاء الله أن يعذَّب منهم، وكانت عائشة رضي الله عنها قد نقلت تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ليهودية زعمت وجود عذاب في قبور المسلمين، ثم لم يخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي الجديد عليه بشمول المسلمين لعذاب القبر، فأنكرت عذاب القبر عليهم مرة أخرى ليهوديتيْن أخبرتاها بذلك، حتى أخبرها به صلى الله عليه وسلم، هذا تلخيص الأمر، وليس فيه ما يُنكر، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوع عذاب القبر على المسلمين بالوحي لا بقول اليهودية كما زعمه صاحب المقال، وهو حين نفى ذلك وحين أثبته إنما هو مخبر عن أمرٍ غيبي ولا يُعرف هذا إلا بالوحي، واليهودية لم تخبر عن عذاب القبر على المسلمين بما عندها من الكتاب بل ظنَّت الأمر كذلك وأن عذاب القبر شامل لكل المقبورين، وما في الأمر من تعارض قد زال بالسنَّة الصحيحة المبينة لحقيقة الأمر، وسنذكر الأحاديث الموضحة لما سبق ذِكره ونذكر كلام أهل العلم حتى تنجلي المسألة.

عن عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَهِيَ تَقُولُ هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ ( إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ ) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ ) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. رواه مسلم ( 584 ).

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، قَالَتْ: فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ ( صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ ) قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلاَةٍ إِلاَّ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. رواه مسلم ( 586 ).

” لم أُنعِم ” أي: لم تطلب نفسي أن أصدقهما.

* قال النووي – رحمه الله -:

وفي الرواية الأخرى ” دخلت عجوزان من عُجُز يهود المدينة “، وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم صدَّقهما، هذا محمول على أنهما قضيتان، فجَرت القضية الأولى ثم أُعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ثم جاءت العجوزان بعد ليال فكذبتهما عائشة رضي الله عنها ولم تكن علمت نزول الوحي بإثبات عذاب القبر، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول العجوزين فقال: ( صدقتا )، وأَعلمَ عائشةَ رضي الله عنها بأنه كان قد نزل الوحي بإثباته. ” شرح مسلم ” ( 5 / 86 ).

وقد جاء هذا موضَّحًا – أيضًا – في رواية صحيحة عند الإمام أحمد رحمه الله:

فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ قَالَتْ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ ( لَا وَعَمَّ ذَاكَ ) قَالَتْ: هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا إِلَّا قَالَتْ وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ قَالَ ( كَذَبَتْ يَهُودُ وَهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُذُبٌ لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) قَالَتْ: ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَاكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ ( أَيُّهَا النَّاسُ أَظَلَّتْكُمْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ). رواه أحمد في ” مسنده ” ( 41 / 66 ) وصححه المحققون.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي هذا كله أنه صلى الله عليه وسلم إنما علِم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر …

فالذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين ثم أُعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم فجزم به وحذَّر منه وبالغ في الاستعاذة منه تعليمًا لأمته وإرشادًا، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى.

” فتح الباري ” ( 3 / 236 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

وكلا الحديثين عن عائشة، وحاصله: أنه لم يكن أوحى إليه أن المؤمنين يُفتنون في القبور فقال ( إنما يفتن يهود ) فجرى على ما كان عنده من علم ذلك، ثم لما علم بأن ذلك يقع لغير اليهود استعاذ منه وعلَّمه وأمر بإيقاعه في الصلاة ليكون أنجح في الإجابة، والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 11 / 176 ).

ثالثًا:

والإيمان بعذاب القبر جزء من اعتقاد أهل السنَّة والجماعة.

* قال أبو جعفر الطحاوي- رحمه الله -:

ونؤمن بملَك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة رضوان الله عليهم, والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. ” شرح الطحاوية ” ( ص 396 ).

وأما من مات من الصحابة قبل أن يُوحى هذا الاعتقاد للنبي صلى الله عليه وسلم فليس بأعظم ممن مات منهم قبل الوحي بإيجاب الصلاة والصيام والزكاة والحج، أو قبل الوحي بتغيير القِبلة إلى البيت الحرام، فالذي مات منهم رضي الله عنهم إنما يطالب بما كان من الشرع في زمن حياته لا بما شُرع بعد وفاته، وهذا بدهي في الشرع والعقل، والوحي لا يزال ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالجديد في الاعتقادات والشرائع حتى وفاته صلى الله عليه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة