انتقادات أهل السنَّة على ” تفسير الكشاف ” للزمخشري
السؤال
إنني أريد أن أعلِّم ابني وابنتي اللغة العربية، كما أنهما يريدان أن يدرسا الدراسات الإسلامية ويريدان أن يبدئا بتعلم اللغة العربية، كما أنهما يحفظان بعض القرآن والحمد لله، وهنا في الولايات المتحدة يوجد برنامج يقدمه مركز ” البينة ” عبارة عن دورة مكثفة من عشرة أشهر لتعلم اللغة العربية، وما يقلقني هو تحريف العقيدة إذا ما أرسلت أطفالي لأي من هذه البرامج، وقد وجدت أن مثل هذه البرامج تقوم بتعليم كتابين لفتا انتباهي، أحد هذه الكتب قمتم بحظره على موقعكم ” صفوة التفاسير “، ولكن لدي سؤال عن الكتاب الثاني وهو ” الكشاف ” للزمخشري، وقد وجدت أنه من أئمة المعتزلة ولم أجد أكثر من ذلك، هل يمكنكم – يا شيخنا – أن ترشدونني إذا ما كان هذا الكتاب يجوز التعلم منه في هذا المركز, أم عليَّ أن أمنع أولادي من الذهاب إلى هنا؟ كما أن ابني يود الذهاب لجامعة ” المدينة “، فهل يمكنكم أن تخبروني بجامعات أخرى غير جامعة ” المدينة ” يمكن لابني أن يذهب إليها تتناول العقيدة الصحيحة وتعلم العربية؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
قد أحسنت غاية الإحسان في اهتمامك بأولادك وبسعيك لانتقاء مواد التدريس لتكون متوافقة مع منهج أهل السنَّة، وهذا من النصح الذي أمرك الله تعالى تجاه من ولاَّك مسئوليتهم.
ثانيًا:
والزمخشري صاحب تفسير ” الكشّاف ” نسبة إلى ” زَمَخْشَر ” وهي قرية كبيرة من قرى ” خوارزم “، واسمه محمود، وكنيته أبو القاسم، توفي ( عام 538 هـ )، وهو من دعاة الاعتزال الكبار، والمعتزلة فرقة ضالة من أبرز عقائدها: القول بخلق القرآن، وبنفي رؤية الله تعالى يوم القيامة، والقول بتعطيل الصفات، والقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار في الآخرة إذا لم لقي الله تعالى ولم يتب منها أو لم يقم عليه الحد في الدنيا، وغير ذلك من أقوال الضلال.
* قال الذهبي – رحمه الله -:
الزمخشري، العلامة، كبير المعتزلة، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي، صاحب ” الكشاف ” و ” المفصل ” – في النحو -.
وكان داعية إلى الاعتزال، الله يسامحه.
” سير أعلام النبلاء ” ( 20 / 151 – 156 ) باختصار.
ثالثًا:
وكتاب الزمخشري ” الكشاف ” هو في تفسير القرآن، ولأهل السنَّة عليه ملاحظات كثيرة، أبرزها:
- نشر عقائد المعتزلة من خلال التعسف في فهم الآيات القرآنية.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -:
وأما ” الزمخشري ” فتفسيره محشو بالبدعة وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن، وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة، و” أصولهم خمسة ” يسمُّونها ” التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “، لكن معنى ” التوحيد ” عندهم يتضمن نفي الصفات؛ ولهذا سمَّى ابن التومرت أصحابه ” الموحدين ” وهذا إنما هو إلحاد في أسماء الله وآياته، ومعنى ” العدل ” عندهم يتضمن التكذيب بالقدَر وهو خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات والقدرة على شيء ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب؛ لكن هذا قول أئمتهم؛ وهؤلاء مُنصبُّ، وأما ” المنزلة بين المنزلتين ” فهي عندهم أن الفاسق لا يسمَّى مؤمناً بوجه من الوجوه كما لا يسمَّى كافراً فنزَّلوه بين منزلتين، و” إنفاذ الوعيد ” عندهم معناه أن فساق الملة مخلدون في النار لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك كما تقوله الخوارج، و” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” يتضمن عندهم جواز الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وهذه الأصول حشا بها كتابه بعبارة لا يهتدي أكثر الناس إليها ولا لمقاصده فيها، مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين .و ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 386 ، 387 ).
* وقال الذهبي – رحمه الله – في ترجمة الزمخشري -:
صالح، لكنه داعية إلى الاعتزال أجارنا الله, فكن حذرًا من ” كشَّافه “.
” ميزان الاعتدال ” ( 4 / 78 ).
- إنكار قراءات صحيحة مشهورة.
* قال أبو حيان الأندلسي – رحمه الله -:
وهذا على عادته في تغليط القراء وتوهيمهم.
” تفسير البحر المحيط ” ( 2 / 225 ).
- التعرض لمقام النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء.
فعند قوله تعالى ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) التوبة/ 43: قال الزمخشري: ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ ) كناية عن الجناية؛ لأن العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت!. ” تفسير الكشاف ” ( 2 / 261 ).
* قال أبو حيان الأندلسي – رحمه الله -:
وكلام الزمخشري في تفسير قوله ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) مما يجب اطراحه، فضلًا عن أن يذكر فيردّ عليه. ” تفسير البحر المحيط ” ( 5 / 49 ).
* وقال محمود شكري الألوسي – رحمه الله -:
وكم لهذه السقطة في ” الكشاف ” من نظائر، ولذلك امتنع من إقرائه بعض الأكابر، كالإمام السبكي. ” تفسير الآلوسي ” ( 10 / 109 ).
- كثرة الأحاديث الموضوعة.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وكالزمخشري وغيرهم من المفسرين الذين يذكرون من الأحاديث ما يعلم أهل الحديث أنه موضوع. ” منهاج السنة النبوية ” ( 7 / 91 ).
* وقال – رحمه الله -:
ومثل هذا لا يرويه إلا أحد الرجلين: رجل لا يميِّز بين الصحيح والضعيف والغث والسمين، وهم جمهور مصنفي السيَر والأخبار وقصص الأنبياء كالثعالبي والواحدي والمهدوي والزمخشري … وأمثالهم من المصنِّفين في التفسير، فهؤلاء لا يعرفون الصحيح من السقيم ولا لهم خبرة بالمروي المنقول ولا لهم خبرة بالرواة النقله بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف ولا يميزون بينهما. ” الرد على البكري” ( 1 / 73 ).
رابعًا:
فالذي ننصح به ترك دراسة كتاب ” الكشَّاف ” للزمخشري؛ لما سبق بيانه من الانتقادات عليه، سواء في مركز ” البيِّنة ” أو غيره، وإن كان المركز موثوقاً فيه فثمة بدائل تغني عن ذلك الكتاب وغيره من كتب البدعة والضلالة، كتفسير ابن كثير وتفسير الشيخ السعدي، فليعتنِ بتدريسها.
* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ما هي كتب التفسير التي تنصحونني بقراءتها وخصوصًا لطلبة العلم؟ مأجورين.
فأجاب:
كتب التفسير – الحقيقة – تختلف مشاربها، فـ ” تفسير ابن كثير ” من أحسن التفاسير لكنه رحمه الله لا يعتني كثيرًا باللغة العربية يعني: بالبلاغة وأوجه الإعراب وما أشبه ذلك، و ” تفسير ابن جرير ” وهو أصل تفسير ابن كثير أيضًا مطول وفي الآثار الواردة فيه ما هو غث وسمين فيحتاج إلى طالب علم يكون له معرفة بالرجال والأسانيد، وهناك كتب تفسير جيدة لكن منهجها في العقيدة غير سليم كـ ” تفسير الزمخشري ” فهو جيد من حيث البلاغة واللغة لكنه ليس بسليم من حيث العقيدة، وفيه كلمات تمر بالإنسان لا يعرف مغزاها لكنها إذا وقرت في قلبه فربما يتبين له مغزاها فيما بعد ويكون قد استسلم لها فيضل، ولذلك أرى أن طالب العلم يأخذ ” تفسير ابن كثير ” ما دام في أول الطلب أو ” تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ” رحمه الله أو ” تفسير أبي بكر الجزائري “، وهذا ما اطلعتُ عليه وقد يكون فيه تفاسير أخرى مثلها أو أحسن منها لكن هذا ما اطلعتُ عليه، ثم إذا وفقه الله إلى علمٍ واسع وملَكةٍ قوية يدرك بها ما لا يدركه في أيام الطلب: فليراجع كل ما تيسر من التفاسير.
” نور على الدرب ” ( شريط 269 ).
وأما بخصوص الجامعات الموثوقة: فاحرص على مراسلة ” الجامعة الإسلامية ” في المدينة، أو ” جامعة أم القرى ” في مكة، أو ” جامعة الإمام محمد بن سعود ” في الرياض، أو ” جامعة القصيم ” في القصيم، وفي كلٍّ خير.
والله أعلم.


