كيف يكون عيد الأضحى متعلقًا بالحج وبينهما سنوات عديدة في التشريع؟

السؤال

سمعت أن عيد الأضحى ليس معتمدًا على الحج وليس له أي تعلق به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بدأ الاحتفال والتضحية في عيد الأضحى في السنة الثانية من الهجرة، بل بعضهم يقول في السنة الأولى من الهجرة، أما بالنسبة للحج: فما حج صلى الله عليه وسلم إلا في العام الأخير الذي قبض فيه، فيعني هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم طوال مكوثه في المدينة – وهي فترة تُقدر بعشر سنوات – كان يضحي ويحتفل بالعيد، وكل هذا قبل أن يذهب للحج.

– فهل هذا صحيح؟ وما الأحاديث التي تسند هذا الكلام؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الأضحية: اسم لما يُذبح من الإبل والبقر والغنم بعد صلاة العيد يوم النَّحر وأيام التشريق الثلاثة بعده، تقرباً إلى الله تعالى، وهو – عند بعض المفسرين – معنى قوله تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) الكوثر/ 2، فالصلاة هنا صلاة العيد، والنحر هو ذبح ونحر الضحايا.

– وهذه الأيام الأربعة كلها أيام عيد للمسلمين تتكرر كل عام.

عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَهِىَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ) رواه الترمذي ( 773 ) وصححه وأبو داود ( 2419 ) والنسائي ( 3004 ).

ويوم عرفة هو عيد للحجاج لا لغيرهم؛ ولذا فإنه يوم لا يصومونه، بخلاف غيرهم من أهل الأمصار.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين، وحمله بعضهم على أهل الموقف وهو الأصح؛ لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم، هذا قول جمهور العلماء .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 1 / 88 ).

ثانيًا:

والذي يظهر لنا أنه لا تعلق لعيد الأضحى بعبادة الحج بخلاف عيد الفطر فإن تعلقه بانتهاء صوم رمضان ظاهر، ويتبين ذلك من خلال أمور:

الأول: أن النسبة في عيد الفطر لفعل وهو الانتهاء من وجوب صوم رمضان رمضان فنسب العيد للفطر، وأما عيد الأضحى فإن النسبة فيه للوقت وهو وقت الضحى وهو وقت ذبح الأضاحي، وبين النسبتين فرق ظاهر.

الثاني: أن عيد الحجاج هو يوم عرفة – كما سبق في حديث عقبة – ولذا فإن عيدهم سابق بيوم على عيد أهل الأمصار؛ لذا فإنه يشرع لهم الإفطار فيه بينما أهل الأمصار يصومونه.

الثالث: أنه لو كان ثمة عيد يفرح به المسلمون لكان بعد الانتهاء من عبادة مشروعة للجميع كحالهم مع شهر رمضان وعيد الفطر، ولا يرد على هذا اختلاف حال الحجاج مع غيرهم من أهل الأمصار، ومع ذلك فعيد الأضحى ليس خاصًّا بأهل الأمصار بل يمكن للحجاج المشاركة فيه بصلاة العيد وذبح الأضاحي هناك، بينما أهل الأمصار لا يقفون في عرفة ولا يفطرونه ولا يذبحون هديًا بل أضحية، فلا مانع من استثناء الحجاج من الاحتفال بعيد الفطر وذبح الأضاحي حيث يوجد عندهم بدائل شريفة تفوقه من حيث اختصاصهم بوقوف عرفة وهم يشاركون المسلمين في عبادة الذبح والنحر، لكن لا نرى أنه يمكن أن يحتفل المسلمون في الأرض قاطبة بعيد يتعلق بعبادة يقوم بها طائفة قليلة منهم وهذه العبادة غير منتهية أصلًا.

ثالثًا:

والذي يظهر لنا أن أصل الحكمة من عيد الأضحى هو لشكر الله تعالى على نعمة الحياة، ولتذكر ما حصل من الفداء لإسماعيل عليه السلام بالذبح العظيم جزاء لصبره على أمر الله تعالى لوالده إبراهيم عليه السلام حين أُمر بذبحه، فأسلم كلاهما لأمر الله تعالى ولم يسعهما غير الاستجابة لأمر الله تعالى، فيوم الأضحى موافق لذلك اليوم الذي أُمر فيه إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل، وهو اليوم الذي شُرع للحجاج بنحر هداياهم فيه لربهم تعالى أيضاً تذكراً لتلك الحادثة الجليلة، بل هي في الحج أظهر منها في الأمصار حيث توافق تلك الحادثة مع الزمان والمكان.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأيضًا: فلا ريب أن الذبيح كان بمكّة، ولذلك جُعلت القرابينُ يومَ النَّحر بها، كما جُعِل السعيُ بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إِسماعيل وأمِّه، وإقامةً لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللَّذان كانا بمكّة دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكانُ الذبح وزمانُه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النَّحرُ بمكّة مِن تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكِتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنَّحر بالشام، لا بمكّة.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 73 ، 74 ).

وقد التحق بتلك الحكمة الجليلة حكَم أخرى جليلة ظاهرة للعيان، من التقرب إلى الله تعالى بالذبح والنحر، ومن التكبير والخطبة والصلاة، ومن التوسعة على العيال باللعب والفرح والتوسعة على الفقراء والجيران والأقرباء بالإطعام، مع ما يحدث من تزاور بين الجيران والأقرباء بعضهم مع بعض.

وقد جاء في ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 76 ) ما نصه:

وقد شرعت التضحية في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وهي السنة التي شرعت فيها صلاة العيدين وزكاة المال، أما حكمة مشروعيتها: فهي شكرًا لله تعالى على نعمة الحياة، وإحياء سنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره الله عز اسمه بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه الصلاة والسلام في يوم النحر، وأن يتذكر المؤمن أن صبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإيثارهما طاعة الله ومحبته على محبة النفس والولد كانا سبب الفداء ورفع البلاء، فإذا تذكر المؤمن ذلك اقتدى بهما في الصبر على طاعة الله وتقديم محبته عز وجل على هوى النفس وشهوتها.

وقد يقال: أي علاقة بين إراقة الدم وبين شكر المنعم عز وجل والتقرب إليه؟ والجواب من وجهين:

أحدهما: أن هذه الإراقة وسيلة للتوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجار والضيف، والتصدق على الفقير، وهذه كلها مظاهر للفرح والسرور بما أنعم الله به على الإنسان، وهذا تحدث بنعمة الله تعالى كما قال عز اسمه ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ).

ثانيهما: المبالغة في تصديق ما أخبر به الله عز وجل من أنه خلق الأنعام لنفع الإنسان، وأذن في ذبحها ونحرها لتكون طعاما له، فإذا نازعه في حل الذبح والنحر منازع تمويها بأنهما من القسوة والتعذيب لذي روح تستحق الرحمة والإنصاف: كان رده على ذلك أن الله عز وجل الذي خلقنا وخلق هذه الحيوانات، وأمرنا برحمتها والإحسان إليها، أخبرنا وهو العليم بالغيب أنه خلقها لنا وأباح تذكيتها، وأكد هذه الإباحة بأن جعل هذه التذكية قربة في بعض الأحيان. انتهى.

ولا مانع أن يلتحق بالحكَم من عيد الأضحى ما حصل بعد ذلك من أحكام مما يتعلق بعيد الأضحى مما له تعلق بالحج، كمنع المضحي من أخذ شيء من أظفاره وشعره عند دخول أول ذي الحجة تشبهاً بالحجاج في بعض أحوالهم وتشوقاً لما هم فيه من نعمة.

* وقال شاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي – رحمه الله -:

( العيدان ) الأصل فيهما أن كل قوم لهم يوم يتجملون فيه، ويخرجون من بلادهم  بزينتهم، وتلك عادة لا ينفك عنها أحد من طوائف العرب والعجم، وقدم  صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال ( ما هذان  اليومان؟ ) قالوا: كنا نلعب فيها في الجاهلية، فقال ( قد أبدلكم الله بهما  خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر )، قيل: هما النيروز والمهرجان،  وإنما بدلا لأنه ما من عيد في الناس إلا وسبب وجوده تنويه بشعائر دين، أو موافقة أئمة مذهب، أو شيء مما يضاهي ذلك، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم إن تركهم وعادتهم أن يكون هنالك تنويه بشعائر الجاهلية، أو ترويج لسنة أسلافها، فأبدلهما بيومين فيهما تنويه بشعائر الملة الحنيفية وضم مع التجميل فيهما ذكر الله وأبوابًا من الطاعة، لئلّا يكون اجتماع المسلمين بمحض اللعب، ولئلّا يخلو اجتماع منهم من إعلاء كلمة الله.

أحدهما: يوم فطر صيامهم وأداء نوع من زكاتهم، فاجتمع الفرح  الطبيعي من قبل تفرغهم عما يشق عليهم وأخذ الفقير الصدقات، والعقلي  من قبل الابتهاج مما أنعم الله عليهم من توفيق أداء ما افترض عليهم، وأسبل عليهم من إبقاء رءوس الأهل والولد إلى سنة أخرى.

والثاني: يوم ذبح إبراهيم ولدَه إسماعيل عليهما السلام وإنعام الله عليهما بأن فداه بذبح عظيم، إذ فيه تذكر حال أئمة الملة الحنيفية والاعتبار بهم في بذل المهج والأموال في طاعة الله وقوة الصبر، وفيه تشبه بالحاج وتنويه  بهم وشوق لما هم فيه، ولذلك سن التكبير وهو قوله تعالى ( ولتكبروا الله على ما هداكم )، يعني: شكرًا لما وفقكم للصيام، ولذلك سنَّ الأضحية والجهر في بالتكبير أيام ” مِنى “، واستحب ترك الحلق لمن قصد التضحية، وسنَّ الصلاة والخطبة لئلّا يكون شيء من اجتماعهم بغير ذكر الله وتنويه شعائر الدين.  ” حجة الله البالغة ” ( ص 479 ، 480 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة