موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من التصوف والصوفية وموقفه من ” الفناء “
السؤال
ذكر ابن تيمية في فتاواه في الكتاب الثاني من المجلد الثاني صفحة رقم (396،397 ) في نسخة دار الرحمات – المطبوعة في القاهرة – أنه يقبل التصوف، بل ذكر رحمه الله كلامًا تكلم فيه عن موضوع ” الفناء “، وهو مصطلح صوفي معروف، فقال فيما يُفهم من كلامه إن هذه الحالة هي حالة المحبين من أولياء الله الصالحين الذين بلغ بهم الحب في محبوبهم إلى درجة الفناء فيه، بل قد يصل الحد بأحدهم إلى أن يقول ” أنا الحق “! أو ” سبحاني “! أو ” ما في الجُبّة إلا الله “! … الخ، ثم قال في آخر كلامه: إن من يصدر منه مثل هذه الأقوال فإنه غير آثم، بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل والغلبة أمرًا محرَّمًا … ثم نرى أنه ( ابن تيمية ) يحكم على الحلّاج بأنه كان كافرًا!، فما القول الصحيح؟ وكيف يُفهم كلام ابن تيمية رحمه الله ؟ أرجو التوضيح؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الصوفية – عند المحققين – ليسوا شيئًا واحدًا ولا هم طائفة تجتمع على اعتقاد ومنهج واحد حتى يكون الحكم عليها حكمًا واحدًا، ومن هؤلاء المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد فرَّق بين تصوف وآخر، وفرَّق بين متقدمي المتصوفة وبين متأخريهم، فأثنى على التصوف الخالي من الضلال والابتداع، وأثنى على المتقدمين من المتصوفة والمحسوبين عليهم دون المستأخرين منهم من أهل الضلال الزندقة.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان أقسام الصوفية -:
ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت ” الصوفية والتصوف ” وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنَّة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام.
وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء.
وكلا طرفي هذه الأمور ذميم.
والصواب: أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين مَن قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه, وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم: كالحلاج – مثلًا -؛ فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق، مثل : الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في ” طبقات الصوفية “، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في ” تاريخ بغداد “، فهذا أصل التصوف.
ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت الصوفية ” ثلاثة أصناف “:
- صوفية الحقائق.
- وصوفية الأرزاق.
- وصوفية الرسم.
فأما ” صوفية الحقائق “: فهم الذين وصفناهم.
وأما ” صوفية الأرزاق “: فهم الذين وقفت عليهم الوقوف، كالخوانك فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق؛ فإن هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك؛ ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط: أحدها: العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم، والثاني: التأدب بآداب أهل الطريق، وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات, وأما الآداب البدعية الوضعية: فلا يلتفت إليها، والثالث: أن لا يكون أحدهم متمسكًا بفضول الدنيا، فأما من كان جمَّاعًا للمال أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة ولا يتأدب بالآداب الشرعية أو كان فاسقًا: فإنه لا يستحق ذلك.
وأما ” صوفية الرسم “: فهم المقتصرون على النسبة، فهمُّهم في اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك، فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم.” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 17 – 20 ).
* وأما تفريق شيخ الإسلام ابن تيمية بين المتقدمين والمستأخرين من الضالين: فننقل منه:
1.* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين: فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور ويدع المحظور إِلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنَّة وإِجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم.” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 516 ، 517 ).
- * وقال – رحمه الله -:
وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورون من القدماء، مثل: الجنيد بن محمد وأتباعه، ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله: فهؤلاء من أعظم الناس لزومًا للأمر والنهي وتوصية باتباع ذلك, وتحذيرًا من المشي مع القدر كما مشى أصاحبهم أولئك، وهذا هو الفرق الثاني الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه, والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور، ولا يُثبت طريقًا تخالف ذلك أصلاً, لا هو ولا عامة المشايخ المقبولين عند المسلمين، ويحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون إتباع الأمر والنهي. ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 369 ).
وهذا التفريق في منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقسيم الصوفية وتقسيم التصوف يتبين به أنه لا تناقض في كلامه كما فهمه بعض الكتَّاب والمؤلفين، وأما العلماء المحققون فهم يعرفون هذا من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية.
* قال اللجنة الدائمة:
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في الصوفية، وأن منهم أناسًا معتدلين، يعني: القُدامى منهم، وأما المتأخرون: فيغلب عليهم الانحراف والضلال، وعلى كل حال: فالتصوف مبتدع في الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ).
والواجب على المسلم التمسك بالكتاب والسنَّة والسير على منهج السلف في الاعتقاد والعمل.
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 94 ، 95 ).
– وانظر كتاب ” موقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية ” للدكتور أحمد بناني (ص 97 – 101 ).
ثانيًا:
وبمثل ما قلنا في تقسيم التصوف والصوفية عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نقول ذلك في مسألة ” الفناء “؛ فإنها ليست شيئًا واحدًا، بل هي أنواع، وقد ذكرها ابن تيمية رحمه الله وفصَّل فيها القول، وبيَّن حقيقة وحكم كل واحد من الأنواع بما تستحقه.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والمعنى الذي يسمُّونه ” الفناء ” ينقسم ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السِّوَى، وفناء عن شهود السوَى، وفناء عن وجود السوَى.
فالأول: أن يَفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو تحقيق ” لا إله إلا الله “؛ فإنه يَفنى مِن قلبه كلُّ تأله لغير الله ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل في هذا التوحيد: كان أفضل عند الله.
والثاني: أن يَفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال ” الاصطلام ” و ” الفناء ” و ” الجمع “، ونحو ذلك، وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وأنه المعبود لا إله إلا هو الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب وأمر بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقًا وأمرًا: كان أتم معرفة وشهودًا وإيمانًا وتحقيقًا من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة وهو الشهود الصحيح المطابق، لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا: كان معذورًا للعجز لا محمودًا على النقص والجهل.
والثالث: الفناء عن وجود السوَى، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة كصاحب ” الفصوص ” – ( وهو ابن عربي ) – وأتباعه الذين يقولون: وجود الخالق هو وجود المخلوق، وما ثَمَّ غير ولا سوى في نفس الأمر، فهؤلاء قولهم أعظم كفرًا من قول اليهود والنصارى وعبَّاد الأصنام.” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 369 ، 370 ).
وبذلك التقسيم يتبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يتوقف في تكفير من يأتي بعبارات إلحادية في ظاهرها، لكنه لا يفعل ذلك في حق المعذور بزوال العقل، فزائل العقل غير مكلَّف فلا يؤاخذ بأقواله لأنه غير متسبب بذلك الزوال لعقله، وأما من قال تلك الأقوال ومعه عقله: فلا شك في كفره.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
ولكن في حال السُّكر والمحو والإصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التمييز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يُحكى عن أبي يزيد أنه قال ” سبحاني “، أو ” ما في الجبَّة إلا الله “، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه: لكان كافرا، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة .” مدارج السالكين ” ( 1 / 155 ).
* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – في ردِّه على البوطي -:
وأما ما ذكرتم عن الفناء بشهود المكوِّن عن الأكوان, وما نقلتموه عن شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك من ذم هذه الحال لكنها لا تصل إلى الكفر البواح: فقد فهمته, ولكن ما ذكرتْه الرقابة في ذلك من أنه كفرٌ بواح: وجيهٌ وصحيحٌ إذا كان الفاني معه عقله ونطق بمثل ما نقل عن أبي يزيد البسطامي ” ما في الجبَّة إلا الله “، وكقول بعضهم ” أنا الحق “، أو ” سبحاني “, أما إذا كان الناطق لمثل هذا محكوماً عليه بزوال العقل كما أشار إليه أبو العباس – ( أي: ابن تيمية ) – بما نقلتم عنه: فإن عذره وجيه؛ لرفع القلم عن من زال عقله. وقد ذكر هذا المعنى العلامة ابن القيم رحمه الله في المجلد الأول من ” مدارج السالكين ” من ( ص 155 إلى 158 ). ” فتاوى الشيخ ابن باز ” (4 / 357 ).
وهذا الذي فهمه أولئك العلماء المحققين عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد صرَّح هو به نفسه في مواضع، ومنها:
* قال – رحمه الله -:
والذين يذكرون عن أبي يزيد وغيره كلمات من الاتحاد الخاص ونفي الفرق ويعذرونه في ذلك يقولون: إنه غاب عقله حتى قال ” أنا الحق ” و ” سبحاني ” و ” ما في الجبة إلا الله “، ويقولون: إن الحب إذا قوي على صاحبه وكان قلبه ضعيفا: يغيب بمحبوبه عن حبِّه، وبموجوده عن وَجده، وبمذكوره عن ذِكره، حتى يفنى مَن لم يكُن (أي: المخلوق )، ويبقى من لم يزَل ( أي: الله تعالى )، ويحكون أن شخصًا ألقى بنفسه في الماء فألقى محبُّهُ نفسَه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنتَ؟ فقال: غبتُ بكَ عنِّي فظننتُ أنك أنِّي، فمثل هذا الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور: ليست علمًا ولا حقًّا، بل غايته أنه نَقْصُ عقلِه الذي يفرِّق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر لا أن يكون قوله تحقيقًا.
وطائفة من الصوفية المدَّعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقًا وتوحيدًا كما فعله صاحب ” منازل السائرين “، وابن العرِّيف، وغيرهما، كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقًا وتوحيدًا، كابن عربي الطائي . ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 313 ).
والله أعلم.


