هل للجن القدرة على التشكل على صورة إنس؟ وهل يظهر في رمضان؟
السؤال
زميلي يقول إن زوجته يظهر لها جن أحيانًا على صورة أختها وأحيانًا على طبيعته، وهل الجن يظهر في رمضان؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يمكن لأحدٍ من الإنس – واستثني من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه الأنبياء – رؤية الجن على أصل خلقتهم، وهي غير معلومة أصلا، فالجزم بأنها على صورة معينة لا يسلم لقائله، واستدل القائلون بعدم إمكانية رؤيتهم على صورتهم الحقيقية بقوله تعالى ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) الأعراف/ 27.
* قال الشافعي – رحمه الله -:
من زعم من أهل العدالة أنه يَرى الجن أبطلتُ شهادته؛ لأن الله عز وجل يقول (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) إلا أن يكون نبيًّا.
انظر ” أحكام القرآن ” ( 2 / 195 ، 196 ) للقرطبي.
* وقال ابن حزم – رحمه الله -:
وأن الجن حق، وهم خلْق من خلق الله عز وجل، فيهم الكافر والمؤمن، يروننا ولا نراهم. ” المحلى ” ( 1 / 34 ).
ولا ينافي هذا ما ثبت من رؤيتهم على صورة إنسي أو بهيمة، فالقدرة على الرؤية إنما هي منفية عن رؤية صورتهم الحقيقية.
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وأنه – أي: الشيطان – قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) مخصوص بما إذا كان على صورته التي خُلق عليها. ” فتح الباري ” ( 4 / 489 ).
ثانيًا:
وقد جعل الله تعالى لهم القدرة على التشكل على صورة إنس وبهائم، وقد صحت بذلك أدلة، وعُلم ذلك بالواقع المشاهد.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ ). صحيح مسلم ( 2236 ).
والعوامر: الحيات والثعابين التي تكون في البيوت.
– وقد جاء على صورة إنسي لأبي هريرة يدَّعي الفقر والحاجة، وسيأتي الحديث.
وروي أنه قد تشكل على صورة ” سراقة بن مالك “.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم، فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم، كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر، قال تعالى ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) الأنفال/ 48.
” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 44 ، 45 ).
* وقال – رحمه الله – أيضًا -:
لكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرًا، وكذلك بصورة القط الأسود؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة.
” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 52 ).
* وقال الدكتور عمر الأشقر – حفظه الله -:
أحيانًا تأتي الشياطين الإنسان لا بطريق الوسوسة، بل تتراءى له في صورة إنسان، وقد يسمع الصوت ولا يرى الجسم، وقد تتشكل بصور غريبة، وهي أحياناً تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها فتزعم أنها من الملائكة، وأحيانًا تسمِّي نفسها بـ ” رجال الغيب “، أو تدَّعي أنها من عالم الأرواح، وهي في كل ذلك تحدث بعض الناس وتخبرهم بالكلام المباشر، أو بواسطة شخص منهم يسمَّى ” الوسيط “، تتلبس وتتحدث على لسانه، وقد تكون الإجابة بواسطة الكتابة، وقد تقوم بأكثر من ذلك فتحمل الإنسان وتطير به في الهواء وتنقله من مكان إلى مكان، وقد تأتي بأشياء يطلبها، ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين الذين يكفرون بالله رب الأرض والسماوات، أو يفعلون المنكرات والموبقات، وقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضل الناس وأفسقهم، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئًا كثيراً لا مجال لتكذيبه والطعن فيه لبلوغه مبلغ التواتر.
” عالم الجن والشياطين ” ( ص 119 ).
ثالثًا:
ولا فرق بين شهر رمضان وغيره في رؤية الجن متشكلًا، بل قد ثبت في حديث صحيح أنه جاء متشكلًا على صورة إنسي في شهر رمضان.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ) قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ ) فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ ) فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ) قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( مَا هِيَ ) قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ – وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ – فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ) قَالَ: لَا، قَالَ ( ذَاكَ شَيْطَانٌ ). رواه البخاري (3101 ) – معلَّقًا بصيغة الجزم – والنسائي في ” عمل اليوم والليلة ” (ص 533 ).
– والحديث فيه قدرة الجن على التشكل، وفيه ظهوره في رمضان، والصحيح: أن التصفيد في شهر رمضان يكون لمردة الشياطين، لا لعمومهم.
فقد تبين مما سبق:
- أن الجن لا يظهرون لأحد – سوى الأنبياء – على صورتهم الحقيقية.
- أنهم يمكن أن يتشكلوا على صورة إنس وبهائم.
- أنه لا يمتنع ظهورهم متشكلين في شهر رمضان.
وحتى يكون الرائي صادقا في ادعائه رؤية الجني متشكلًا على صورة معينة – كأخت أو أخ أو صديق – فينبغي أن تكون الرؤية لبدن حقيقي، فإن لم يكن الأمر كذلك فهي صورة خيال، وهي تهيؤات لا حقيقة لوجودها، فالشيطان الذي تشكل لأبي هريرة جاء ببدنه وتكلم وسمع، وهكذا لما تشكل على صورة حيات كانت ببدنها وحركاتها، ولا نظن ما عند أخت زميلك إلا صور ذهنية وخيالات وأوهام، لا أن الجن تشكل على صورة أختها وجاء يكلمها!.
والله أعلم.


