الروائح الكريهة ما أقسامها؟ وهل تتأذى منها الملائكة كلها؟

السؤال

هل كل ما يتأذى منه الإنسان من غيره وينفر منه تتأذى منه الملائكة وتنفر منه إذا فعله الإنسان؟ فمثلًا إذا كان الإنسان صائمًا أو غير صائم وكانت راحته كريهة ينفر منها غيره كأن يكون جسده غير نظيف أو رائحة فمه كريهة أو تخرج منه غازات كريهة وغير ذلك: فهل كل هذه الأشياء تؤذي الملائكة؟ وما الذي يجب على الإنسان فعله حيال ذلك؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الروائح الكريهة التي تنبعث من المسلم ليست كلها من باب واحد، ويمكن أن نقسمها إلى أقسام:

  1. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب تناول صاحبها لطعام أو شراب محرَّم، كروائح المدخنين وشاربي الخمر.
  2. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب تناول صاحبها لطعام أو شراب حلال لكن في أصل خلقتها رائحة كريهة إن أُكلت من غير طبخ، كروائح آكلي البصل والثوم النيئين.
  3. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب ابتلاء بمرض، كمن يوجد به بَخَر في فمه أو رائحة لأنفه.
  4. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب طبيعة الخِلقة كمن تخرج من فمه رائحة عند قيامه من نومه، ويلحق به من يُخرج ريحًا من دبره.
  5. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب عبادة كرائحة خلوف فم الصائم.
  6. روائح كريهة تنبعث من الإنسان بسبب عمله، كمن يعمل في التمديدات الصحية، أو في نقل القمامة، أو يعمل في الزراعة والأعمال الشاقة فيخرج عرق من بدنه، ومثله من يخرج لجوربيه ورجليه رائحة كريهة.

ثانيًا:

وبالتأمل فيما ذكرناه سابقًا يتبين أنه ثمة فروقات بين أقسام الروائح الكريهة السابقة:

  1. فالروائح الكريهة التي تخرج من العصاة كشاربي الخمور والدخان لا يمكن أن يحبها مؤمن ولا تطيب رائحتها لملَك، فهي ريح خبيثة بسبب محرَّم تؤذي عباد الله المؤمنين من البشر والملائكة.
  2. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد نتيجة تناوله طعامًا مباحًا كالبصل والثوم لا يكون مؤذيًا إلا إن ذهب لمسجد أو مصلى عيد أو جنائز بتلك الرائحة، فيكون حينئذٍ مؤذياً للمؤمنين وللملائكة, وأما في غير المساجد : فأمره واسع ولا يكون مؤذيًا لا للعبد ولا للملائكة، ولو كان مثل هذا مؤذياً على الإطلاق لصار البصل والثوم محرَّمين! وليس الأمر كذلك، فعُلم أن الحكم خاص بالمساجد وبالملائكة الكرام الذين يشهدون الجماعة.

* قال سليمان الباجي – رحمه الله -:

وقد نص أصحابنا على المسجد الجامع قال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه وعندي أن مصلَّى العيد والجنائز كذلك…. .

من المواضع ما اتخذ لغير العبادة كالأسواق ونحوها فقد قال مالك رحمه الله ما سمعت بكراهية في دخول الأسواق ممن أكل الثوم والفرق بينهما أن المواضع المتخذة للعبادة لها حرمة يجب أن يتنزه بها عن كريه الروائح  بخلاف المتخذة لغير العبادة فإنه لا حرمة لها فلو منع دخول الأسواق برائحة الثوم لكان ممنوعا من أكله جملة لأن الأسواق بمنزلة سائر المواضع. ” المنتقى شرح الموطأ ” ( 1 / 32 ، 33 ).

* وقال ابن رجب – رحمه الله -:

وقد دلت أحاديث هذا الباب على أن أكل الثوم غير محرمٍ في الجملة، وإنما ينهى من أكله عن دخولِ المسجدِ حتى يذهبَ ريحه، وعلى هذا جمهور العلماءِ.

وذهب إلى تحريمِ أكله طائفةٌ قليلةٌ من أهل الظاهرِ، وروي عن بعض المتقدمين – أيضًا، والنصوصُ الصحيحةُ صريحةٌ برد هذا الكلامِ. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 288).

* الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أحد المشايخ يقول: عجبتُ من أناسٍ يقولون أذكار الصباح والمساء وهم يأكلون الثوم والبصل.

فأجاب:

أين وجه العجب؟.

السائل:

يعني: تذهب عنهم الملائكة وتتأذى منهم.

الشيخ:

هذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إن الملائكة تتأذى من آكل البصل، أو إنها تفر منه، لكنه نهى من أكل بصلًا أو ثومًا أن يدخل المسجد وقال ( إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) والمراد: الملائكة الذين في المساجد الذين يعمرونها، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: كل من أكل ثومًا أو بصلًا فرَّت منه الملائكة وتأذت منه: لكان هذا يقتضي أن يكون حرامًا، كما قلنا: إن اقتناء الصور حرام؛ لأن الإنسان إذا اقتنى الصور فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، ولهذا لما فتح الناس خيبر ووقعوا في أكل البصل وكأن النبي صلى الله عليه وسلم كرهها فقالوا: إنها حرمت! فقال عليه الصلاة والسلام ( إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ) فأباحها لهم.

ولهذا نقول: إن أكل البصل والثوم والكراث وما أشبهها من النوابت التي لها رائحة: ليس حرامًا، لكن من أكلها فلا يقرب المسجد؛ لأن الملائكة تتأذى منه.

نعم، لو فرض أن إنسانا أكلها ليجعلها وسيلة لترك الجماعة الواجبة عليه: صارت حينئذ حراما؛ لأنه تحيل على إسقاط الواجب، وهذا كما قال أهل العلم رحمهم الله: إن الإنسان لو سافر في رمضان من أجل أن يفطر: صار السفر حراما والفطر حرامًا، يلزمه أن يصوم حتى في السفر؛ لأنه سافر تحيلًا على إسقاط الواجب، والتحيل على إسقاط الواجبات: لا يسقطه، كما أن التحيل على تحليل المحرمات: لا يجعلها حلالًا.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 151 / السؤال 19 ).

  1. والروائح الكريهة التي تكون نتيجة مرض وابتلاء لا يتأذى منها مؤمن ولا ملَك؛ لأنها ابتلاء من الله تعالى، ولا إرادة فيها للعبد – كمن به سلس ريح أو لفمه رائحة بَخر – لكن مع هذا لا يحل له الذهاب للمسجد، وهو معذور في عدم ذهابه، وإذا كان مرضه طارئاً وكان من قبلُ يصلي في المسجد جماعة كتب له أجر الجماعة، وإن لم يكن يصلي في المسجد جماعة قبْل مرضه فيُعذر بتركها، ويرتفع عنه الإثم ولا يأخذ أجر الجماعة إلا أن ينوي صادقاً فيؤجر على نيته.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا كان فيه بَخَرٌ، أي: رائحةٌ منتنةٌ في الفَمِ، أو في الأنفِ، أو غيرهما، تؤذي المصلِّين: فإنَّه لا يحضرُ؛ دفعاً لأذيَّتِه، لكن هذا ليس كآكلِ البصلِ؛ لأنَّ آكلَ البصلِ فَعَلَ ما يتأذَّى به النَّاسُ باختيارِه، وهذا ليس باختيارِه، وقد نقول: إنَّ هذا الرَّجُلَ يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ لأنَّه تخلَّفَ بغير اختيارِه فهو معذورٌ، وقد نقول: إنه لا يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ لكنه لا يأثمُ، كما أنَّ الحائضَ تتركُ الصَّلاةَ بأمره اللهِ ومع ذلك لا يُكتب لها أجرُ الصَّلاةِ فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم جَعَلَ تَرْكَها للصَّلاةِ نقصاً في دينِها.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 323 ).

  1. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد نتيجة طبيعة الخلقة كريح الفم عند التغير بسبب النوم يمكن إزالتها بالمضمضة أو بالسواك، والريح التي يخرجها العبد من دبره تزول رائحتها في وقت يسير وهي علامة صحة للبدن وحبسها فيه ضرر، ولا يُمنع العبد من تعمد إخراجها، والممنوع منها هو إيذاء الناس برائحتها فمن تعمَّد إخراج الريح في مجتمع من الناس قاصدًا إيذاء الحضور: أثم، ويمكن أن يقال إنه آذى بذلك الملائكة.
  2. والروائح الكريهة التي تخرج من المسلم بسبب طاعة الصيام لا يمكن أن تتأذى منها الملائكة ولا يكاد يسلم منها أحد، وهي أطيب عند إلى الله من رائحة المسك، كما صحَّ بذلك الحديث، فقد روى البخاري ( 1795 ) ومسلم ( 1151 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ). وقد كره بعض العلماء التسوك بعد الزوال إبقاء لهذه الرائحة التي هي أثر عبادة.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

ولا أكره في الصوم السواك بالعود الرطب وغيره وأكرهه بالعشي؛ لما أحب من خُلوف فمِ الصائم. ” الأم ” ( 8 / 155 ).

وهم منازَعون في هذا، بل التسوك مشروع في كل النهار ويندب عند كل وضوء وكل صلاة، ومع هذا فالمنازِعون يعترف أكثرهم بأن السواك لا يزيل الرائحة لأن مصدرها المعدة، لكنهم يقولون إن الله تعالى لم يتعبدنا بذات الرائحة، وإنما قيل هذا تشجيعاً للمسلم على الصوم، وبينًا لعظم شأنه عند ربه تعالى مع رائحته تلك، وتحذيرًا لغيره من التنفير منه.

* قال الكاساني – رحمه الله -:

أما الحديث: فالمراد منه تفخيم شأن الصائم والترغيب في الصوم والتنبيه على كونه محبوبًا لله تعالى ومرضيه, ونحن به نقول أو يحمل على أنهم كانوا يتحرجون عن الكلام مع الصائم لتغير فمه بالصوم فمنعهم عن ذلك ودعاهم إلى الكلام.

” بدائع الصنائع ” ( 2 / 106 ).

  1. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد المسلم نتيجة عمل مباح لا يؤاخذ عليه المسلم بل يُمدح لعمله، لكنه يؤمر أن يُنظف نفسه ويطيبها بعد انتهاء عمله، وخاصة عند الصلاة، وبالأخص عند ذهابه للمسجد، فإن ذهب للمسجد بتلك الرائحة آذى المؤمنين والملائكة، وإن كان في عمله فلا يؤذي أحدًا؛ إذ لا يمكن الفصل بين العمل والرائحة، لكن عند انتهاء عمله يمكنه فصل الرائحة عن ثيابه وبدنه بالتنظف والتطهر، وهذا كان سبب تشريع غسل الجمعة على المسلمين.

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رواه البخاري ( 861 ) ومسلم ( 847 ).

– كُفاة: خدم.

– تَفَل: رائحة كريهة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد ذكرنا أن هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحةٌ كريهةٌ، كالفجل وغيره، وأن أحمد نص عليه.

وكذلك قال مالكٌ: الكراثُ كالثوم، إذا وجدت ريحهما يؤذي.

وألحق أصحاب مالكٍ به: كل من له رائحةٌ كريهةٌ يتأذى بها، كالحرَّاث والحوَّات!.

وفيه نظر؛ فإن هذا أثر عملٍ مباحٍ، وصاحبه محتاج إليه، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة.

” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 290 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة