هل الأفضل للمعتمرين من للرجال والنساء صلاة التراويح في مكة والمدينة في الفندق أم في الحرم؟

السؤال

أعلم أن صلاة السنَّة ( كالتهجد ) يستحب صلاتها في المنزل، ولكن إذا كنا في زيارة لمكة والمدينة ونقيم في فندق هل يختلف الحكم ( أعني: هل صلاة السنة في غرفة الفندق أفضل أم صلاتها في الحرم )؟.

وبالنسبة للنساء اللائي تعتبر صلاة الفرض أفضل لهن في المنزل – حيث سافرت أسرتي معي إلى مكة والمدينة – فهل صلاتهم المفروضة أفضل في المنزل أم في الحرم؟ وهل نعتبر في حالة سفر ( حيث إننا نقيم في فندق )؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء في الأفضل في صلاة التراويح هل صلاتها في المساجد في جماعة أم صلاتها في البيوت منفردا، والأقوال في ذلك ثلاثة:

القول الأول:

أن صلاتها في المساجد جماعة أفضل، وهو قول متقدمي الحنفية وأحمد بن حنبل وجمهور أصحابه. وهو الذي رجحناه.

* قال إسحاق المروزي – رحمه الله -:

قلت: الصلاة في الجماعة أحب إليك أم يصلي وحده في قيام شهر رمضان؟ قال: يعجبني أن يصلي في الجماعة يُحيي السنَّة.

قال إسحاق: أجاد، كما قال.

” مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ” ( 2 / 757 – 759 ).

وفي هامش الكتاب:

* قال أبو داود – رحمه الله -:

سمعت أحمد قيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده؟ قال: يصلِّي مع الناس، وسمعته أيضاً يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه، وقال: قلت لأحمد: الإمام يصلي التراويح بالناس وناس في المسجد يصلون لأنفسهم؟ فقال: لا يعجبني أن يصلوا، يعجبني أن يصلوا مع الإمام، وقال: كان أحمد يقوم مع الناس حتى يوتر معهم ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. ” المسائل ” ( 62 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

المختار عند أبي عبد الله – أي: أحمد بن حنبل – فعلها في الجماعة، قال في رواية يوسف بن موسى: الجماعة في التراويح أفضل، وإن كان رجل يُقتدى به فصلاها في بيته: خفتُ أن يقتدي به الناس.  ” المغني ” ( 2 / 168 ).

انتهى النقل من الهامش.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأفضل في قيام رمضان أن يكون جماعة في المساجد مع أنه سنَّة وليس بواجب، لكن دلت السنَّة على أن قيام رمضان في المسجد أفضل؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى بأصحابه ثلاث ليال أو ليلتين ثم تخلى وقال إني خشيت أن تفرض عليكم.

” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 247 ).

القول الثاني:

أن صلاتها في البيوت منفردًا أفضل، وهو قول مالك والشافعي وجمهور أصحابهما.

واحتج مالك رحمه الله بفعل الكبار من شيوخه والكبار من الصحابة.

واحتج الشافعي رحمه الله بحديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ الله عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ( قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ) رواه البخاري ( 698 ) ومسلم ( 781 ).

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

قال مالك: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا: ينصرفون ولا يقومون مع الناس، قال مالك: وأنا أفعل ذلك وما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في بيته.

واحتج الشافعي بحديث زيد بن ثابت … – وساقه بنصه -، قال الشافعي: ولا سيما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده على ما كان في ذلك كله من الفضل.

” التمهيد ” ( 8 / 116 ).

* وقال ابن عبد البر- أيضًا -:

فإذا كانت النافلة في البيت أفضل منها في مسجد النبي عليه السلام والصلاة فيه بألف صلاة فأي فضل أبين من هذا؟! ولهذا كان مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما يرون الانفراد في البيت أفضل في كل نافلة، فإذا قامت الصلاة في المساجد في رمضان ولو بأقل عدد: فالصلاة حينئذ في البيت أفضل. ” الاستذكار ” ( 2 / 73 ).

وينبغي التنبيه على أن من قال من الأئمة بأن الإنفراد في صلاة التراويح في البيت أفضل من الجماعة في المسجد إنما هو لمن كان يحفظ شيئاً من القرآن – أو القرآن كله – ويقوى على الصلاة في البيت ولا يخاف الكسل فتضيع عليه الصلاة، وأن لا تنقطع الجماعة في المسجد بانقطاعه، وهذه الشروط إن لم تتحقق فلا شك أن صلاة التراويح في المسجد جماعة أفضل عندهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

قال أصحابنا العراقيون والصيدلاني والبغوي وغيرهما من الخراسانيين: الخلاف فيمن يحفظ القرآن ولا يخاف الكسل عنها لو انفرد ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فإن فقد أحدٌ هذه الأمور: فالجماعة أفضل بلا خلاف، وأطلق جماعة في المسألة ثلاثة أوجه ثالثها: هذا الفرق. ” المجموع ” ( 4 / 31 ).

ويمكن إضافة شرط آخر مهم ينطبق على ما سأل عنه الأخ السائل وهو أن يكون المصلي في بيته منفردًا – مفضِّلًا له على الصلاة في الحرمين – من أهل الحرمين؛ فالقادم للحرم المكي – ومثله القادم للمدينة للصلاة في المسجد النبوي – لأداء العمرة لا ينطبق عليه أفضلية صلاة التراويح في بيته.

* قال محمد الدسوقي المالكي – رحمه الله -:

ندْب فعلِها في البيوت مشروط بشروط ثلاثة: أن لا تُعطل المساجد، وأن يَنشط لفعلها في بيته، وأن يكون غير آفاقي بالحرمين، فإن تخلف منها شرط: كان فعلُها في المسجد أفضل. ” حاشية الدسوقي ” ( 1 / 315 ).

وبالتأمل في حال الناس الآن – ومنهم كثير من الخاصة من الشباب المستقيم على الطاعة – نجد أن صلاة التراويح جماعة في المسجد هي الأفضل لهم؛ لما في الصلاة فيها من النشاط بسبب كونها في أول الليل، ولحسن صوت الإمام – لمن يتحرى الصوت عندهم – ولكثرة من يصلِّيها من الناس، وأيضًا بسبب كثرة الانشغالات في البيوت مما يؤدِّي إلى التكاسل عن أدائها، لذا فإننا نرى أن دعوة عوام الناس الآن لصلاة التراويح في البيوت هي دعوة لترك هذه الصلاة! فأين الذين يحفظون شيئًا من القرآن من أولئك؟! وماذا سيصنع هؤلاء أثناء صلاة الناس في المساجد أول الليل؟! وأين الدافع الذي سيجعل هؤلاء يقومون آخر الليل للصلاة؟! ولذا فليكن هذا الحكم لخاصة الناس لا لعامتهم، وهذا الذي ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث جمع الناس في المسجد لأداء صلاة التراويح وصلَّى هو وحده في بيته، وقد وافقه بعض الخاصة من الصحابة على ذلك، ومن تأمل أسماء من نقلنا عنهم صلاتهم في بيوتهم علم أن الأمر ليس إطلاقه ليكون حكماً لعامة الناس، وما أجمل ما قاله الإمام مالك – وهو تلخيص لما نريد قوله – حين سأله ابن القاسم عن قيام الرجل في رمضان أمع الناس أحب إليك أم في بيته؟ قال: إن كان يقوى في بيته فهو أحب إليَّ وليس كل الناس يقوى على ذلك.

” المدونة الكبرى ” ( 1 / 287 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص صلاة التراويح للنساء في بيوتهن: فقد سبق الجواب عنه، وقد قلنا إن الأفضل في حق النساء قيام الليل في بيوتهن لقوله صلى الله عليه وسلم  ( لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ ) رواه أبو داود، ولكنّ هذه الأفضلية لا تمنع من الإذن لهنّ من الذهاب إلى المساجد، لكن بشروط، فانظرها في الجواب المحال عليه، وفيه فتوى منقولة عن الشيخ ابن باز أن التراويح في بيتها أفضل من المسجد.

وفي جواب سابق نقلنا عن الشيخ العثيمين رحمه الله قولَه:

السنَّة تدل على أن الأفضل للمرأة تصلِّي في بيتها في أي مكان كانت سواء في مكة أو غيرها. انتهى.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

بالنسبة للنساء اللاتي يعتمرن في رمضان هل الأفضل في حقهن الصلاة في بيوتهن أم في المسجد الحرام سواء الفرائض أو التراويح؟.

فأجاب:

السنَّة تدل على أن الأفضل للمرأة تصلِّي في بيتها في أي مكان كانت سواء في مكة أو غيرها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن ) يقول ذلك وهو في المدينة مع أن المسجد النبوي الصلاة فيه زيادة فضل، ولأن صلاة المرأة في بيتها أستر لها وأبعد عن الفتنة وكانت صلاتها في بيتها أولى وأحسن.  ” فتاوى ودروس الحرم المكي ” ( 3 / 228 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة