الإقامة في بلاد الكفر ودفع الضرائب لها
السؤال
لدي سؤال بالغ الأهمية، أرجو إخباري عن مدى جواز إقامتي في المكان الذي أقيم فيه حاليًّا, وكذلك العمل, علماً بأني أقوم بدفع ضريبة الدخل، فأنا أقيم في الولايات المتحدة، وحسب معرفتي فإنه لا يجوز الإقامة بين ظهراني المشركين، كما أننا نقوم بدفع الضرائب المفروضة علينا نظاماً، وكلنا يعلم أن بعضاً من الأموال التي ندفعها تستخدم في قتل المسلمين، ووفقاً لمعرفتي المتواضعة فإن المساعدة على هذا الأمر يعتبر ردة عن الدين.
هل أسأل عن عملي ودفعي للضرائب في هذا البلد؟ كما أن في القرآن الكريم آية تتحدث عن الهجرة وعن أولئك الذين ارتكبوا معصية ولم يهاجروا وأن مأواهم جهنم – وقانا الله تعالى منها جميعا -.
الجواب
الحمد لله
أولا:
قد بيَّنا مرارا حكم الإقامة في بلاد الكفر وأنها محرمة إلا في أحوال وشروط شرعيّة، وليس من حالات الجواز ما يفعله الكثيرون من الذهاب للعمل، وبخاصة أنهم لا يفرقون بين جائز ومحرم في تلك الأعمال؛ لأن المهم عندهم هو ” الدولارات ” حتى صارت القاعدة عندهم ” الدولارات تبيح المحظورات “! ولم تعد تلك البلاد ملاذاً للفارين بدينهم من بلدانهم، ولم يعد المسلم حرًّا في تطبيق شعائر الإسلام الظاهرة، فمِن تضييق في الشارع والعمل إلى منع للحجاب إلى مراقبة الحرية الشخصية دون مساءلة إلى غير ذلك من الأشياء المنفرة للبقاء بين ظهرانيهم فضلا عما يعانيه المسلم الراغب في تربية أبنائه وبناته على الدين والخلق والفضيلة، فإلى أن يحين وقت خروجك من تلك البلاد يجب عليك أن تستثمر وقتك في تقوية إيمانك وفي الدعوة إلى الله، ونسأل الله أن ييسر لك أمرك, وأن يجعل لك فرَجاً قريبا.
ثانيا:
ونظام الضرائب نظام باطل مخالف للفطرة والعقل, ثم هو مخالف للشرع الإسلامي الحنيف، إذ ليس فيه نظر إلى أحوال الدافعين من حيث قدرتهم على الدفع وعدمها، فالمعاملة للجميع واحدة، وهي تزداد في بعض الدول حتى تصير الدولة مشاركة للفرد في أرباحه وتعبه وكده في نصف أرباحه.
ولا تقدم كثير من الدول مقابل ما تأخذه من هذه الضرائب، فأكثر تلك الأموال يُنفق على مصالح خاصة وعلى أمور محرَّمة، والدول الكافرة تستعمل هذا المال في محاربة المسلمين كما هو مشاهد في هذه الأيام في حربهم السافرة على دول المسلمين.
عن بريدة رضي الله عنه – وذكر قصة الغامدية التي زنت -: “… ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إيَّاها، فقال: ” مهلاً يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له “. رواه مسلم ( 1695 ).
قال الإمام النووي:
فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب والموبقات، وذلك لكثرة مطالبة الناس له، وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. ” شرح مسلم ” ( 11 / 203 ).
لذا لا يجوز لأحدٍ أن يساهم في هذا النظام المالي، سواء كان من قبل دولة كافرة أو دولة مسلمة؛ لأنه أخذ لأموال الناس بالباطل، وإن استطاع أن يدفع عن نفسه دفع ما يترتب عليه أو بعضه, فلا ينبغي له أن يقصِّر في ذلك، فإن لم يستطع فلا حرج عليه؛ لكونه مضطراً وعاجزاً عن دفع ذلك عن نفسه.
والله أعلم.


