زوج قريبها خالف نظام الصحة في مخبزه، فهل تغرمه من أجل ذلك؟
السؤال
أنا أعمل بإدارة التصدي للمخالفات الاقتصادية بجميع أنواعها، وقد صادف واشتريت رغيف خبز ووجدت به فضلات فئران بعد أن تناولته كله تقريبا، أنا وأفراد عائلتي، وقد أقسمت بأن أتتبع صاحب المخبز لتقصيره في النظافة كما أني أعرف أن فضلات الفأر من النجاسة فتوجهت للمتجر الذي اقتنيت منه الخبز وسألته عن مصدر الخبز وعرفت أن المخبز على ملك رجل تربطني به صلة رحم، وبالمناسبة أردت معرفة هذه النقطة هل تعد صلة رحم أم لا؛ حيث أن زوجة هذا الرجل هي ابنة بنت عم لجدي من أبي؟
المهم وحيث أن بيني وبين نفسي أحسست بأني يجب أن أردعه بغض النظر عن هذه الصلة؛ لأنه وليس للمرة الأولى التي نجد بالخبز أوساخ عديدة, ولكن عندما تصبح نجاسة لم أتحمل غض البصر عنها، فقمت بالإجراءات اللازمة وتمت تخطئته على عدة مخالفات وجدوها عند المعاينة منها التحايل, …. وبالطبع توجهت أصابع الاتهام نحوي من جميع أفراد عائلته وحتى بعض أفراد عائلتي.
فقط أردت سيدي أن ترشدني هل أنا مذنبة أمام الله؟. ولك جزيل الشكر.
الجواب
الحمد لله
أولا: لا يجوز للمرأة أن تعمل في مواقع مختلطة.
ثانيا: وأما الرحم الذين أمر الله تعالى بصلتهم فهم الأقارب من جهة الأب ومن جهة الأم، ومنهم الأعمام وأولادهم، وعليه فتكون ابنة بنت عمك من الأرحام.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
الأرحام هم الأقارب من النسب من جهة أمك وأبيك، وهم المعنيون بقول الله سبحانه في سورة الأنفال والأحزاب ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتابٍ الله ) .
وأقربهم: الآباء والأمهات والأجداد وأولادهم ما تناسلوا، ثم الأقرب فالأقرب من الإخوة وأولادهم، والأعمام وأولادهم، والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم.
وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قال لما سأله سائل قائلاً: من أبرّ يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب ” خرَّجه الإمام مسلم في صحيحه، والأحاديث في ذلك كثيرة.
” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 195 ) .
ثالثًا: وقد وقع خلاف بين العلماء في جواز التعزير بالعقوبات المالية، لكن الصحيح هو الجواز، وتجدين تفصيل هذا عند شيخ الإسلام ابن تيمية في ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 384 ) و ( 28 / 109 )، وعند ابن القيم في ” الطرق الحكمية ” ( ص 386 ).
رابعًا: وقد أوجب الله تعالى على المسلمين الوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، والقيام بالشهادة بالقسط ولو كانت على النفس أو على الوالدين أو على الأقارب.
قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) [ النساء / الآية 135 ].
وقد أساء زوج قريبتك إساءة بالغة في التهاون في عمل الخبز وصناعته، وتهاونه في النظافة أدى إلى وجود النجاسة في الخبز الذي يُنتجه مخبزه، ويأكله الناس، وهو مستحق للتعزير، وخاصة أنه قد تكرر منه ذلك، فلا ينبغي أن تكون قرابة زوجته لك حائلة بينك وبين القسط والعدل وأداء واجب الوظيفة بعدل وأمانة وإتقان، رحمة له ورحمة للناس، رحمة له حتى لا يقع منه التعدي على الناس والظلم لهم، ورحمة للناس حتى لا يأكلوا النجس والقذر بسبب سوء أفعاله، وقد جاء الأمر النبوي بنصرة الظالم وذلك بالأخذ على يده.
عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ – أَوْ تَمْنَعُهُ – مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ “.
رواه البخاري ( 6552 ).
وما فعله منكر يجب إنكاره باللسان وتغييره لمن قدر على تغييره، وبما أنكِ في موقع سلطة فأنت تملكين تغييره باليد، وهذا واجب ولا شك.
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمان “. رواه مسلم ( 49 ).
قال النووي – رحمه الله -:
واعلم أن هذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة, ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلةٌ جدًّا، وهو باب عظيم، به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوْشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) , فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله عز وجل أن يعتني بهذا الباب, فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه, ويخلص نيته, ولا يهادن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته; فإن الله تعالى قال: ( ولينصرن الله من ينصره )، وقال تعالى: ( ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) ، وقال تعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )، وقال تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) , واعلم أن الأجر على قدر النصب, ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه; فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًّا, ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته, وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة أخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه. ” شرح مسلم ” ( 2 / 24 ) .
وهو كلام نفيس فيه جماع ما أردنا تبيينه وتوضيحه، ونسأل الله تعالى أن يهدي زوج قريبتك, وأن يصلح حاله، ولا تلتفتي إلى من يرى أنك أخطأتِ في تغريمه ومخالفته، بل هذا هو الحكم بالقسط، وهذا من الرحمة به، بخلاف من يريد له الإثم والعقوبة الأخروية ممن ينكر عليك فعلك، ونرى أن يكون عملك بعيدًا عن الاحتكاك بالرجال، وهو الأليق بالمرأة المؤمنة الصالحة، وقد سبقت الإحالة على أجوبة مهمة في هذا الموضوع.
والله أعلم.


