هل الشراء من البقالة بالأجل يعدُّ من ربا النسيئة؟
السؤال
يوجد بالقرب من منزلنا بقالة، فنقوم بطلب ما نريده منها ونؤخر تسليم الثمن إلى أجل محدود، فهل يعتبر هذا من ربا النسيئة؟ مع العلم أن البائع راضٍ بأي طريقة تم الدفع بها عاجلا أو مؤخرا فما الحكم في ذلك؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
أولا:
إذا اشتريتَ من صاحب بقالة وكان يبيع بسعر واحدٍ عاجلا وآجلا: فلا يهم إن كنتَ اشتريتَ منه شيئا وأخرتَ دفعه فيما بعد.
وإن كان صاحب البقالة يبيع بسعرٍ للعاجل وبآخر للآجل: فلا يجوز لك أن تشتري منه شيئاً دون الاتفاق على واحدٍ من السعرين؛ لأنك إن فارقتَه ولم تحدِّد أيًّا من السعرين تمَّ عليه الاتفاق فإنه تكون صفقتكم ” بيعتين في بيعة “, وهي بيعة محرَّمة في الشرع.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ” نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ “. رواه الترمذي ( 1231 ) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي ( 4632 ).
قال الإمام الترمذي – بعد رواية الحديث -:
والعمل على هذا عند أهل العلم، وقد فسَّر بعضُ أهلِ العلم قالوا: بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقدٍ بعشرة وبنسيئةٍ بعشرين ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العُقدة على أحدٍ منهما. انتهى.
وقال الإمام البغوي في ” شرح السنة ” – بعد أن ذكر هذا تفسير الترمذي -:
هو فاسد عند أكثر أهل العلم؛ لأنه لا يدري أيهما جعل الثمن، انتهى.
وقال الشوكاني في ” نيل الأوطار “:
والعلة في تحريم بيعتين في بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين، انتهى. انظر ” تحفة الأحوذي ” ( 4 / 357 ، 358 ).
ثانيا:
وليس شراء الطعام بثمن آجل من ربا النسيئة في شيء، والمعلوم أن ربا البيوع قسمان: ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا الفضل: هو الذي يكون في بيع الأموال الربوية بعضها ببعض، والأموال الربوية التي ورد بها حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم ستة، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والملح، والشعير، فلا يجوز بيع الذهب بالذهب متفاضلا، ولا التمر بالتمر متفاضلا، بل لا بدَّ من شرطين لحل مثل هذا البيع، وهما: التساوي والتقابض، فتبيع كيلو تمر بكيلو مع القبض، وهكذا في باقي الأصناف، فمن فاضل بينهما فقد وقع في ” ربا الفضل “، وإذا لم يفاضل وأخَّر القبض أو الدفع فقد وقع في ” ربا النسيئة “، فإن فاضل وأخَّر فقد وقع في كلا النوعين من الربا.
فإن اختلفت الأصناف – الذهب والفضة صنف، وباقي الأربعة صنف آخر – فيجوز البيع متفاضلاً لكن مع شرط القبض، فمن اشترى فضة بذهب أو العكس فيجوز التفاضل لكن يشترط التقابض، والورق النقدي يقوم مقام الذهب والفضة، ومن اشترى تمراً بشعير فكذلك يجوز له التفاضل بينهما بشرط القبض، وأما في حال شراء شيء من الأصناف الأربعة أو غيرها بذهب أو فضة أو ورق نقدي فيجوز التفاضل وتأخير دفع الثمن.
ومن أشهر صور ربا النسيئة هو القرض الجاهلي الذي يكون فيه اشتراط دفع أكثر مما أخذ، أو يكون فيه زيادة مالية مقابل تأخره في السداد، وكانوا في الجاهلية يقولون: ” إما أن تَقضي وإما أن تُربي ” أي: إما أن تقضي ما عليك من ديْن أو تزيد في الدَّيْن.
وبه يُعلم: أن من اشترى تمرا أو شعيرا بذهب أو فضة أو مال نقدي: فإنه يجوز له التفاضل والنسيئة، فله أن يشتري ألف كيلو تمر بكيلو ذهب، ولا يشترط التقابض في مجلس العقد.
وما يجري من شراء الناس من البقالات هو من هذا الباب، فيجوز شراء أي مادة منها مع تأخير الدفع، لكن بشرط أن يتفقا على السعر الآجل كما ذكرنا في “أولا”.
وقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم من يهودي شعيراً وأخَّر دفع ثمنه، ورهن عنده درعه، فمات صلى الله عليه وسلم ولم يوفه ثمنه.
عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. رواه البخاري ( 1999 ) ومسلم ( 1603 ).
– وبوب عليه البخاري بقوله: ” باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة “.
قال ابن حج:
قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع.
” فتح الباري ” ( 4 / 302 ).
والخلاصة: أنه يجوز لك شراء ما تشاء من بضائع من البقالة بالعاجل أو الآجل شريطة أن تتفقا على أحد البيعيْن إن كان لكل واحد منهما سعر غير الآخر، ولا يدخل ربا النسيئة في هذا البيع إن كنت تشتري بالنقد شيئاً من الطعام.
والله أعلم.


