يشق عليه القيام للصلوات نظرا لظروف عمله وثقَل نومه
السؤال
مواعيد عملي تحتم عليَّ أن أعمل طوال الليل وأن أنام بالنهار, ويصعب عليَّ أن أقوم بالصلوات الأربعة الأخرى، نظراً للتعب في العمل؛ فإني لا أستطيع القيام أثناء النوم والقيام للصلاة ثم أنام مرة أخرى؛ ولسبب آخر وهو أن ” نومي ثقيل “, وعندما أنام لا يستطيع أحد أن يوقظني من النوم، حتى لو أني نويت القيام للصلاة أثناء النوم؛ لأني عندما أنام لا أدري عن أي شيء حولي.
الجواب
الحمد لله
أولا:
كان بعض الصحابة – رضي الله عنهم – من أهل الأعمال الشاقة؛ كالزراعة والرعي وجلب الحطب ونحو ذلك, ولم يكونوا من المفرطين في صلاتهم، بل كانوا محافظين عليها ليس في وقتها وحسب بل وفي جماعة، وحافظوا على العبادة وطلب العلم، ولم تأت الرخصة لهم في ترك الصلاة من أجل العمل، ولذلك فالواجب على من كان من أهل الأعمال أداء الصلوات في أوقاتها؛ لأن أداء الصلاة في غير وقتها إثم وهي باطلة إلا من عذر، ولم يأتِ في الشرع عذر إلا للنائم والناسي.
ثانيا:
والنائم معذور وقت نومه، لكنه مخاطب بالوجوب، فيجب عليه أداء الصلاة بعد استيقاظه من النوم، كما يجب عليه بذل الأسباب للاستيقاظ في الوقت.
عن أنس بن مالك قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ” مَن نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها “. رواه البخاري ( 572 ) ومسلم ( 684 ).
قال الشوكاني – رحمه الله -:
الحديث يدل على أن النائم ليس بمكلف حال نومه وهو إجماع …
وظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضيقه وقيل: إنه إذا تعمد النوم قبل تضيق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلا وقد خرج الوقت كان آثمًا, والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم; لأنه فعله في وقت يباح فعله فيه فيشمله الحديث, وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك فلا إشكال في العصيان بذلك ولا شك في إثم من نام بعد تضيق الوقت لتعليق الخطاب به, والنوم مانع من الامتثال, والواجب إزالة المانع.
” نيل الأوطار ” ( 2 / 33 ، 34 ).
ثالثا:
والواجب على النائم قبل نومه أن يحرص على الاستيقاظ في وقت الصلاة، وأن يأخذ بالأسباب التي تعينه على أداء الصلاة في وقتها، فإن فعل ولم يستيقظ فهو معذور؛ لأنه أدى الذي عليه و ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )، وقد حصل هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره.
عن أبي قتادة قال: سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة، قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء، يا بلال قم فأذن بالناس بالصلاة، فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابيضت قام فصلى.
رواه البخاري ( 570 ) ومسلم ( 681 ) وعنده: ” احفظوا علينا صلاتنا “، وفي الرواية: ” وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبنا معه, قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا, ثم قال: أما لكم فيَّ أسوة؟! ثم قال: أما إنه ليس في النوم تفريط, إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى, فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها, فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها “.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ بأسباب الاستيقاظ بجعله بلالاً منبههم لصلاتهم، والسفر مظنة التعب والإرهاق ولا يضمن النائم أن يستيقظ في وقت الصلاة، وهو ما حصل مع بلال عندما غلبه النعاس، وحصل مع الجميع بأن استيقظوا على حر الشمس.
ومن سهر في عمل أو غيره ولم يأخذ بأسباب الاستيقاظ – ومنها ترك السهر – فصلَّى بعد الوقت: فيعتبر تاركاً للصلاة متعمدا، وهو غير معذور بنومه.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
عمن يسهر ولا يستطيع أن يصلي الفجر إلا بعد خروج الوقت, فهل تقبل منه؟ وحكم بقية الصلوات التي يصليها في الوقت؟.
فأجاب:
أما صلاة الفجر التي يؤخرها عن وقتها وهو قادر على أن يصليها في الوقت؛ لأن بإمكانه أن ينام مبكراً, فإن صلاته هذه لا تقبل منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد “. – رواه مسلم -, والذي يؤخر الصلاة عن وقتها عمداً بلا عذر: قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله, فيكون مردوداً عليه.
لكن قد يقول: إنني أنام، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ” من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك “.
فنقول: إذا كان بإمكانه أن ينام مبكرا ليستيقظ مبكرا، أو يجعل عنده ساعة تنبهه، أو يوصي من ينبهه: فإن تأخيره الصلاة، وعدم قيامه يعتبر تعمدًا لتأخير الصلاة عن وقتها، فلا تقبل منه.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 12 / السؤال رقم 14 ).
رابعا:
وقد يكون الرجل ثقيل النوم، فهذا لا يعذر بإطلاق بل هو على حالين:
الحال الأولى: أن يكون ثقل نومه بسبب سهره في العمل أو في طلب العلم أو قيام الليل: فمثل هذا لا يجوز له أن يتسبب بتضييع الصلاة عن وقتها من أجل ما سبق، ويجب عليه أن يبحث عن عمل آخر لا يسبب له تضييع الصلوات، كما لا يجوز له الاشتغال بالنوافل أو حتى طلب العلم – وهو واجب في أصله – على حساب تضييع الصلوات، وترك الصلاة هنا يعتبر تعمداً؛ لأنه يستطيع تغيير العمل، ويستطيع ترك السهر.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
الواجب على الإخوة الذين يخرجون إلى الرحلات أن يشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث جعلهم في رخاء ويسر من العيش، وفي أمن وأمان من الخوف، ويقوموا بما أوجب الله عليهم من الصلاة في أوقاتها، سواء صلاة الفجر أم غيرها، ولا يحل لهم أن يؤخروا صلاة الفجر عن وقتها بحجة أنهم نائمون، لأن هذا النوم لا يعذرون فيه غالباً لكونهم يستطيعون أن يكون لهم منبهات تنبههم للصلاة في وقتها، ويستطيعون أن يناموا مبكرين حتى يقوموا نشيطين.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 12 / السؤال رقم 14 ).
وأما الحال الثانية: أن يكون ثقل النوم طبعاً في الرجل، وليس له تعلق بسهر أو عمل، وقد عرف هذا عن بعض الأقوام والأشخاص، فإن كان كذلك: فهو معذور إن كان قد أخذ بالأسباب ولم يستيقظ.
عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليتُ، ويفطِّرني إذا صمتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله أما قولها: يضربني إذا صليت: فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتُها، قال: فقال: ” لو كانت سورة واحدة لكفت الناس “، وأما قولها: يفطِّرني: فإنها تنطلق فتصوم, وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: ” لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها “، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس: فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك, لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس, قال: ” فإذا استيقظت فصلِّ “. رواه أبو داود ( 2459 ) وصححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 / 65 ).
وهذه الحال قد لا تكون مستمرة دائمة, إنما هي في وقت دون وقت، وتنزل الأحكام على حسب قدرته واستطاعته.
قال الشيخ عبد العظيم آبادي – رحمه الله -:
ذلك أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده، ومن لطف نبيه صلى الله عليه وسلم ورفقه بأمته, ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع واستيلاء العادة, فصار كالشيء المعجوز عنه, وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه, فعذر فيه ولم يثرب عليه, ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض, وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه ويبعثه من المنام فيتمادى به النوم حتى تطلع الشمس دون أن يكون ذلك منه في عامة الأحوال؛ فإنه يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه, ولا يراعي مثل هذا من حاله, ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك مع زوال العذر بوقوع التنبيه ولإيقاظ ممن يحضره ويشاهده، والله أعلم.
” عون المعبود ” ( 7 / 94 ).
والخلاصة: أن الذي يظهر من حالك أن ثقل نومك له تعلق بالسهر، والسهر كان بسبب العمل وعليه: فلا يجوز لك البقاء في عملك هذا؛ لأنه يؤدي بك إلى ترك أعظم الأركان العملية في الإسلام، وأنتَ عبد لله تعالى أمرك ونهاك، والواجب عليك الطاعة، فلا يحل لك البقاء في عملك وابحث عن غيره يعوضك الله خيراً منه، وسترى التغير الطيب في دينك وجسمك ونفسيتك، أما الدين: فإن أداء الصلوات في أوقاتها من أعظم الواجبات، وتركه من أعظم المحرمات، وأما جسمك: فإن علماء الطب قد ذكروا مضار كثيرة لمن يعمل بالليل، وإن نوم النهار كله لا يعوض الجسم ما يحتاجه من قليل نوم في الليل، وكل ما سبق يؤثر على نفسيتك تأثيراً سلبيًّا.
والله أعلم.


