يجتمع أهله كل خميس لقراءة القرآن ولقراءة الأذكار جماعة فهل يجوز لهم وماذا يصنع؟
السؤال
ما حكم ما يسمَّى بـ ” الختام “؟ وهو اجتماع مجموعة من الناس كل خميس من كل أسبوع يقرءون فيه القرآن والأذكار؟.
إن عائلتي تمارس هذا الفعل باستمرار، ولكني لم أر له أي دليل من السنَّة، وقد أخبرت والداي أن ذلك بدعة، ولكنهم يقولون إنه يجب عليّ أن أفعل ذلك وأن أشارك الناس هذا الخير، فالجميع يفعل ذلك بما فيهم إمام المسجد، فلماذا أنا بالذات أخالفهم!.
لا أريد أن أفعل شيئا يخالف السنَّة أو يُعد شِركا، لكن بالمقابل لا أريد أن أغضب والداي، فهل من نصيحة فيما يجب عليَّ أن أفعل؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا مانع من الاجتماع على كتاب الله تعالى في يوم محدد ووقت معيَّن على أن يكون ذلك من أجل تدارس كتاب الله وتفسيره، أو لتعلُّم تجويده وتلاوته، على أن لا يكون ذلك التحديد لليوم والتعيين للوقت من أجل اعتقاد فضل فيه دون غيره، بل يكون ذلك من أجل كونه وقت فراغ لأفراد الأسرة، أو بسبب وجود من يقوم بالتعليم في ذلك اليوم والوقت، ولا نعلم في الشرع ما يدل على أفضلية الاجتماع يوم الخميس، لذا فعلى أسرتكم تجنب ذلك الاجتماع مع الاعتقاد بفضله في ذلك اليوم، ونوصيهم باستمراره إن لم يكن يصاحبه مثل ذلك الاعتقاد بل كان لما ذكرناه من أسباب أو لغيرها من مثلها.
وننبه إلى أنه ليس مشروعا- أن يقرأ المجتمعون القرآن جميعًا بصوت واحد، بل يمكن للمجتمعين التناوب على القراءة أو يقرأ واحد والباقي يستمعون، والأكمل أن يكون مع القراءة تعليم لأحكامه وقراءة في تفسير آياته.
* قال ابن الحاج المالكي – رحمه الله -:
وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ): فالدراسة المذكورة تُشعر بأنهم لم يجتمعوا على التلاوة صوتًا واحدًا متراسلين؛ لأن المدارسة إنما تكون تلقينًا أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم، وأما الاجتماع على صوت واحد: فليس بمرويٍّ عنهم كما تقدم.
” المدخل ” ( 1 / 92 ).
ثانيًا:
وأما الاجتماع من أجل قراءة الأذكار فلا يجوز مطلقًا، بل هو من الذِّكر الجماعي المبتدع، والأذكار المشروع ذِكرها في اليوم والليلة أو مطلقا هي من العبادات الفردية الخاصة والتي لم يشرع من أجلها اجتماع لا في يوم له فضل ولا في غيره مما لا فضل له من باب أولى.
والفرق بين الاجتماع لقراءة القرآن وتعلمه والاجتماع لذكر الله: أن الأول جاء في الشرع ما يحث عليه ويرغب فيه، كما سبق ذِكره والإحالة عليه، وأما الاجتماع لذِكر الله إما بصوت جماعي أو بقيادة أحد في الحلقة: فقد جاء في الشرع ما يمنعه ويحذر منه، وقد ذكرنا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على طائفة تذكر الله تعالى بقيادة وبيَّن لهم أنهم مخالفون للشرع، وقد ذكرنا القصة بطولها في أجوبة متعددة.
وكل ما ورد في الشرع من وصف مجالس الصحابة بـ ” مجالس ذِكر “: فالمقصود به مجالس علم، أو مجالس ذِكر لكن كل واحد يذكر ربَّه وحده سرًّا، ومنه ما رواه معاوية رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ ( مَا أَجْلَسَكُمْ؟ ) قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ ( آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ ) قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ قَالَ ( أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ ).
رواه مسلم ( 2701 ).
* قال ابن الحاج المالكي – رحمه الله -:
وأما خروجه صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال ( ما أجلسكم؟ ) فقالوا: جلسنا نذكر الله: فهذا أفصح بالمراد في الجميع، وكيف كان اجتماعهم؛ لأنهم لو كانوا يذكرون الله جهرًا لم يَحتج صلى الله عليه وسلم إلى أن يستفهمهم بل كان يخبرهم بالحكم من غير استفهام، فلما أن استفهم دلَّ على أن ذِكرهم كان سرًّا، وكذلك جوابهم له صلى الله عليه وسلم بقولهم ” جلسنا نذكر الله ” أدل دليل على أنهم كانوا يذكرون الله تعالى سرًّا؛ إذ أنه لو كان ذكرهم جهرًا لما كان لإخبارهم بذلك معنى زائدًا، إذ أنه صلى الله عليه وسلم قد سمع ذلك منهم، فكان جوابهم أن يقولوا جلسنا لما سمعتَه أو لما رأيتَه منَّا إلى غير ذلك من هذا المعنى؛ لأنهم يتحاشون أن يكون منهم الجواب لغير فائدة، فبان واتضح أن ذكرهم كان سرًّا لا جهرًا على ما روي عنهم في عبادتهم، وقد قال تعالى في محكم التنزيل ( ادْعُوا ربَّكُم تَضُرُّعاً وَخُفْيَة ).
أو كانوا يتذاكرون بينهم ما كان منهم في أمر الجاهلية من عبادة الأوثان وغير ذلك وما منَّ الله عليهم به من معرفة الإيمان والكتاب والسنَّة فتعظم عندهم النعَم عند تذكر ذلك، فيحمدون الله على ما منَّ به عليهم من تلك النعَم التي يذكرونها، ألا ترى إلى ما روي عنهم أنهم كانوا يقعدون في المسجد بعد صلاة الصبح يتذاكرون بينهم الأشياء التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ويتعجبون من أنفسهم والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد يسمعهم فيتبسم أحيانًا من حكاياتهم عن أنفسهم، فقد تكون تلك الحلقة التي خرج صلى الله عليه وسلم عليها قاعدة لذلك المعنى، فحصل لهم ما حصل من المباهاة بها؛ لأنهم إذا تذاكروا ذلك فيه يعرفون قدر نعَم الله عليهم وأن ما منَّ به عليهم ليس بأيديهم ولا بقدرتهم فتعظم نعَم الله تعالى عليهم أن هداهم وأنقذهم وأضل غيرهم وأصمهم وأعماهم فهم لا يسمعون ولا يبصرون كما جاء في محكم التنزيل.
” المدخل ” ( 1 / 92 ، 93 ).
ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافيا ليترك أهلك ما فيه مخالفة للشرع، والبقاء على ما يتوافق مع الشرع من حلقات القرآن علمًا وتعليمًا، وليُحث كلُّ فرد من أفراد الأسرة على الاستمرار في أذكار اليوم والليلة وغيرها من الأذكار كلُّ واحدٍ وحده من غير أن تكون جماعية، وعليك تبليغ أهلك أحكام ما ذكرناه لك بلطف ولين، فإن استجابوا فنعْم ما يفعلون، وإن رفضوا الاستجابة فلا تشاركهم في فعلهم واهجر فعلهم هجرًا جميلًا من غير عنفٍ يتسبَّب في قطيعة بينك وبينهم، ولا تقدِّم رضاهم على رضا الله تعالى.
ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه صلاح دينكم ودنياكم.
والله أعلم.


