تزكية العلماء لكتاب ” فقه السنَّة ” والرد على من طعن به

السؤال

أنا طالب من ” الصين “, أستفيد كثيرا في الفروع من الفقه من كتاب ” فقه السنَّة ” للسيد سابق – رحمه الله تعالى -، ولكن بعض إخوتي قال لي: إن الآراء الشاذة في هذا الكتاب كثيرة, لذلك لا تجوز لك – وأنت طالب – أن تستفيد منه لكي لا تلتبس عليك الراجح بالمرجوح، والصحيح بالسقيم.

الجواب

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن يكتب لك أجر طلبك للعلم، وأن يوفقك معه للعمل الصالح، فلم يمنعك بُعد ديارك، من السؤال والتحري لدينك، والاستفسار عن مسائل الحق والصواب.

ثانيا:

لم يُصب صاحبك في نقده اللاذع لكتاب ” فقه السنَّة ” للشيخ سيد سابق – رحمه الله -، فالكتاب ليس فيه آراء شاذَّة، وما انتقده عليه بعض العلماء ليس لأن المنتقَد من المسائل شاذٌّ، بل يقال عنها ضعيفة، أو مرجوحة، أو غيرها أقوى منها؛ وهذا الكتاب نفع الله به خلقا لا يُحصون، ولا يزال العلماء وطلبة العلم يوصون بقراءته والنظر فيه والاستفادة منه، وقد تميز بسلاسة أسلوبه، وسهولة عباراته، وقوة أدلته، وحسن ترتيبه وتبويبه، ويكفيه أنه ليس كتابا مذهبيًّا يتعصب فيه لمذهب معيَّن، وقد صدر الكتاب في وقت كان للمتعصبين للمذاهب صولة وجولة، ولذا فقد انتقد هؤلاء كتاب فقه السنَّة لما تبنَّى به صاحبه من الدليل منطلقاً لمعرفة الأحكام الشرعية.

وأما أهل العلم والفضل فلم يبخسوا الكتاب حقَّه، بل أثنوا عليه وعلى صاحبه بما يستحقانه، وليس يعني هذا عدم وجود أخطاء حديثية وفقهية فيه، بل هذا لا يخلو منه كتاب، وما ذكره المؤلف من قضايا فقهية إنما هي راجحة عنده بما توصل إليه من خلال النظر والبحث، ولا تثريب عليه في ذلك، ومثل هذا لا يُنتقد إلا بما يظهر للباحث الناقد أنه خطأ، أو أنه ضعيف، أو مرجوح، ولن يسلم الناقد من منتقد كذلك في نقده، وهكذا هو حال البحث والكتابة في مسائل الفقه الاجتهادية، وأما من حيث العموم: فهو كتاب علمي نافع، وهذه طائفة من ثناء كبار أهل العلم في زماننا على الكتاب الذي – كما يقول الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – قد وُفِّق صاحبه أيما توفيق في اختيار عنوانه، وهو غير مسبوق إليه -.

  1. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

استشير سماحتكم في الكتاب التالي ” فقه السنَّة “؟.

فأجاب:

كتاب طيب، ومفيد، ” فقه السنَّة ” كتاب طيب، ومفيد، وفيه علم كثير، فننصح باقتنائه، ومراجعته، والاستفادة منه، وما قد يقع فيه من زلة، أو خطأ: فهو مثل غيره من العلماء، كل عالِم له بعض الخطأ، وبعض النقد، فإذا أشكل على طالب العلم، أو على طالبة العلم بعض المسائل: عليه أن يسأل أهل العلم عما أشكل عليه، وأنا لم أقرأه، ولكن قرأت بعضه، فرأيت فيه خيرا كثيرا، وفوائد، فإذا أشكل على طالب العلم شيئا من المسائل – أو على طالبة العلم شيئاً من المسائل -: فعليها أن تتثبت، وعليه أن تتثبت، حتى يسأل أهل العلم، وحتى يراجع الأدلة التي ذكرها المؤلف، وذكرها غيره، حتى تتم الفائدة، فكل واحد من أهل العلم يُؤخذ من قوله، ويترك، كلُّ واحدٍ له أغلاط، قد ينسى، وقد يغلط، وقد يشتبه عليه الدليل، فليس صاحب كتاب ” فقه السنَّة ” معصوما، ولا غيره من العلماء، ولكن الواجب على طلبة العلم – وطالبات العلم – أن يكون عند الجميع من اليقظة، والانتباه، وتحري الحق ما يمنع الوقوع في الخطأ، ولا يتوقف طالب العلم على مسألة ذكرها بعض العلماء، أو كذا طالبة العلم؛ فإن على من توقف عندها أن يسأل، وأن يتبصر، ويراجع الأدلة إن كان عنده قوة في ذلك، وإلا أن يسأل خواص العلماء الذين يظن فيهم الخير، والعلم، حتى يفيدوه، وحتى يرشدوه إلى ما هو الصواب.  ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 489 ).

  1. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن كتاب ” فقه السنَّة “؟.

فأجاب:

لا شك أنَّه مِن خير الكتب؛ لأن فيه مسائل كثيرة مقرونة بالأدلة، لكنه لا يسلم من الأخطاء، وكما قال ابن رجب – رحمه الله – في مقدمة ” القواعد الفقهية “، قال: ” يأبى الله العصمة لكتابٍ غير كتابه، ولكن المنصف من اغتفرَ قليلَ خطأ المرءِ في كثير صوابه “.

الكتاب لا شك أنه نافع، لكن لا أرى أن يقتنيه إلا طالب علم يميز بين الصحيح والضعيف؛ لأن به مسائل ضعيفة كثيرة، ومن ذلك القول باستحباب صلاة التسبيح.

” كتاب العلم ” ( ص 103 ).

وقول الشيخ العثيمين – رحمه الله – ” به مسائل ضعيفة كثيرة “: فيه نظر، ومع ذلك فهو – رحمه الله – لم يقل بوجود مسائل شاذة في الكتاب.

ونقده لترجيح الشيخ سيد سابق باستحباب صلاة التسابيح: إنما هذا بحسب ما ظهر للشيخ – رحمه الله – من ضعف الحديث الوارد فيها، وأما القول باستحباب صلاتها: فقد قال بها أئمة من السلف، بل هو قول جمهور العلماء.

ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 150 ، 151 ):

اختلف الفقهاء في حكم ” صلاة التسبيح “، وسبب اختلافهم فيها: اختلافهم في ثبوت الحديث الوارد فيها:

القول الأول: قال بعض الشافعية: هي مستحبة وقال النووي في بعض كتبه: هي سنَّة حسنة، واستدلوا بالحديث الوارد فيها ….

القول الثاني: ذهب بعض الحنابلة إلى أنها لا بأس بها، وذلك يعني الجواز، قالوا: لو لم يثبت الحديث فيها: فهي من فضائل الأعمال، فيكفي فيها الحديث الضعيف، ولذا قال ابن قدامة: إن فعلها إنسان فلا بأس فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها … .

والقول الثالث: أنها غير مشروعة، قال النووي في ” المجموع “: في استحبابها نظر؛ لأن حديثها ضعيف ، وفيها تغيير لنظم الصلاة المعروف، فينبغي ألا يفعل بغير حديث، وليس حديثها بثابت، ونقل ابن قدامة أن أحمد لم يثبت الحديث الوارد فيها، ولم يرها مستحبة، قال: وقال أحمد: ما تعجبني، قيل له: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح، ونفض يده كالمنكر. انتهى.

ونحن نرجح ما قاله النووي – رحمه الله – من ضعف حديثها، وعدم استحبابها – بل ولا نرى جواز فعلها -، وإنما ذكرنا أقوال العلماء ليُعلم حقيقة الخلاف فيها، وأن ما اختاره الشيخ سيد سابق ليس منكرا،  ولا شاذًّا، وأنه قد يكون ترجيحه ذاك ضعيفاً عند من علماء دون آخرين.

  1. وسئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

ما هي الكتب التي تنصح بها شابًّا ناشئاً في حياته العلمية؟.

فأجاب:

ننصح له أن يقرأ – إذا كان مبتدئا-: من كتب الفقه: ” فقه السنَّة ” للسيد سابق، مع الاستعانة عليه ببعض المراجع، مثل ” سبُل الإسلام “، وإن نظر في ” تمام المنَّة “: فيكون هذا أقوى له، وأنصح له بـ ” الروضة الندية “.

نقلا عن ” مجلة الأصالة ” العدد الخامس ( ص 59 ).

والشيخ – رحمه الله –  له اهتمام خاص بالكتاب، ومعرفة تامة به، وله عليه انتقادات جمعها في كتابه المشهور ” تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة “، ولم يتمه، وهو إذا أثنى على الكتاب وجعله مصدراً للمبتدئ: فهو على دراية بما يقول، وهو يؤكد ما ابتدأنا به كلامنا من ذكر صفات الكتاب، بما يجعل المبتدئ ينظر فيه، ويأمن على نفسه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة