استُحلف على معصية تاب منها إن كان فعلها فكذب ونفى، فهل عليه شيء؟
السؤال
كيف حالك يا شيخ؟ أنا شاب ملتزم, وقد قام أحد الشباب قائلا لي: حدثنا عن ” العادة السرية “، والفواحش، وخطورتها، فحدثتهم، فبادرني بقوله: ” أسألك بالله هل قمت بممارسة العادة السرية؟ “, فقلت: لا، فقال: ” بحياتك كلها لم تقم بممارستها؟ “, فقلت: نعم, علما أني شاب تائب من هذه المحرمات, هل عليَّ شيءُ لأنه استحلفني بالله, فأنا قلت له: الحقيقة بأني لم أمارسها بعد التوبة, ولكنه قال: بحياتك كلها؟ فكذبت عليه بقولي: نعم، وإذا سألني بمثل هذه الأسئلة بماذا أرد عليه ؟
الجواب
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يقبل توبتك، وأن يثيبك خيرا على ما تنصح به غيرك مما فيه صلاح حالهم، وقد أحسنت في التحذير من العادة السرية، والتحذير من خطورة الفواحش التي استولت على عقول الشباب، ولم ينج منهم إلا من رحم الله.
وقد أساء ذلك الشاب السائل بسؤاله، وهي سفاهة كان من الواجب عليك إيقافها، وعدم السماح له بالاستمرار فيها؛ لأنه ليس من الأدب، ولا من الدين سؤال أحدٍ عن معصية فعلها أو لم يفعلها، وبخاصة إذا كان المسئول هو الشيخ الناصح، أو المعلم المربي.
وبما أن الأمر لم يحصل، ولم توقفه عند حدِّه: فقد وقع منه السؤال، وصدر منك الجواب، ولكن هل يقال: لم يكن ثمة مجال للتورية؛ لأنه استحلفك بالله، وقد روى مسلم ( 1653 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ “؟ والجواب: بل ثمة مجال للتورية والمعاريض! لأن الاستحلاف في الحديث هو إذا كان صادراً من القاضي، أو نائبه، أو يكون صادراً من صاحب حق، وليس من غيرهم، فما ذكرته أنت من تورية صحيح، ولو كنتَ حلفتَ بالله، فكيف وأنت لم تحلف أصلاً؟! وعليه: فلا يلزمك إثم، ولا كفارة.
قال النووي – رحمه الله -:
وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي، فإذا ادَّعى رجلٌ على رجلٍ حقًّا فحلَّفه القاضي فحلف وورَّى فنوى غير ما نوى القاضي: انعقدت يمينه على ما نواه القاضي، ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه، ودليله: هذا الحديث، والإجماع.
فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي، وورَّى: تنفعه التورية، ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف، أو حلَّفه غير القاضي وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي.
وحاصله: أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي، أو نائبه في دعوى توجهت عليه، فتكون على نية المستحلف، وهو مراد الحديث.
” شرح مسلم ” ( 11 / 117 ).
والصحيح: أنه ليس الاستحلاف مختصًّا بالقاضي وحده، بل يضاف إليه: ” صاحب حق “.
قال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -: أما إذا كان الإنسان الذي استَحلف صاحبَ حق، أو استحلفه القاضي: فليس له استعمال المعاريض، وإنما تستعمل المعاريض في أمر هناك داعٍ إليه، كأن يكون مظلوما، أو مكرها على شيء، أما إذا كان الذي استحلفه صاحب حق: فليس الأمر كذلك، بل الأمر كما جاء في هذا الحديث الذي أورده أبو داود عن أبي هريرة: ” يمينك على ما يصدق عليها صاحبك ” أي: أن اليمين على نية المستحلف، وقد جاء في بعض الروايات: ” اليمين على نية المستحلف “. ” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 238 ).
ولا خلاف في أن التورية لا تجوز إذا كان يترتب عليه إسقاط حق للآخرين، ولا يخالف في هذا النووي، ولا غيره، بل هو أمر مجمع عليه.
قال النووي – رحمه الله -: واعلم أن التورية وإن كان لا يحنث بها: فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق، وهذا مجمع عليه. ” شرح مسلم ” ( 11 / 117 ).
وثمة أمرٌ آخر، وهو أنه لو لم يكن لك أن تورِّي في كلامك: فإن ما حدث منك من كذب: معفو عنه إن شاء الله، ولو كنتَ حلفتَ فيه، فكيف وأنت لم تحلف؛ لأن الصدق فيه إساءة لك، وفضيحة، ولا يتضرر أحد بكذبك ذاك، واليمين أصلا لا يلزمك.
* وفي شرح هذا الحديث للشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله – ما يؤيد هذا، حيث قال: فإذا كان – أي: الحالف – مظلوماً، أو كان في أمرٍ لا يلزمه: فله أن يعرِّض حتى يسلم، فيكون صادقاً فيما يقول على حسب الظاهر، والمستحلف يفهم شيئا آخر غير الذي يريده الحالف. ” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 238 ) .
وقال – حفظه الله -:
فإذا أمره القاضي أن يحلف: فعليه أن يحلف بدون تعريض، ولكنه إذا كان مظلوما، أو كان في أمرٍ فيه مضرة عليه، وليس المستحلف محقّا: فله أن يعرِّض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، كما جاء ذلك عن عمر بن الخطاب، وعن عمران بن حصين – رضي الله عنهما-. ” المرجع السابق “.
والله أعلم.


