شاب كان على علاقة محرمة ثم تاب ويمر بحالة نفسية صعبة، ويريد الزواج من أختها.

السؤال

أود أن أقول أنني قد بعثت لكم برسالة طويلة فيها استشارة قبل شهر تقريبًا, وقد تلقيت الرد منكم, مفاد رسالتي أنني كنت على علاقة حب محرمة مع زوجة أخي لمدة ثلاث سنوات, لم نستطع الابتعاد عن بعضنا رغم المحاولات العديدة من الطرفين, وبعد إرسالي الرسالة لكم وبعد نصحكم لي دعوت الله كثيرًا, وتضرعت إليه بأن يخلصني مما أنا فيه, فلا أنا ولا هي مرتاحون بسبب هذا الموضوع الذي يسبب لنا تأنيب الضمير والتعب والإرهاق طوال الوقت, والحمد لله كان تثبيت الله ثم صبرنا في هذه الثلاث سنوات سببًا في عدم وقوعنا في الزنا ولله الحمد. استطعنا بعد جهد أن ننهي هذه العلاقة التي دامت ثلاثة شهور ولله الحمد, باتفاق الطرفين, ومما قوّى قلبي وساعدني في إنهاء الموضوع رسالتكم ونصحكم لي بعد إعانة الله سبحانه وتعالى, أنا متأكد أننا لن نعود لبعضنا مرة أخرى, وأنا متأكد كذلك أنها لن تعود لي مرة أخرى, تابت والحمد لله, وأسأل الله أن يتقبل توبتنا, وأن يغفر ذنوبنا, ويؤجركم على نصحكم, وأنا الآن أعيش حالة نفسية سيئة بسبب فراقنا, ولكني متيقن وواثق بربي أنه سيصبرني, وأنها ليست إلا مدة قصيرة حتى أنسى ما جرى, وأبدأ حياتي بدون الرجوع والتفكير فيما مضى منا, ففي داخلي إحساس بالفرح أننا فعلنا الصواب الذي كان ولا بد أن نفعله من فترة طويلة, وأعلم علم اليقين أن زواجي من بنت الحلال سينسيني كل ما مضى؛ وذلك عندما تكون امرأة عندي في بيتي تهتم لأمري وتنتظر عودتي, وأكون أنا أهم شخص لديها في حياتها, أعلم أن ذلك سيجعلني أكن كل ما في قلبي لها, وأعيش حياتي لأسعدها, الحمد لله على كل نعمه سبحانه, يا شيخ سبق وأن ذكرت في سؤالي السابق لكم أن هذه المرأة لها أخت صغرى ذات خلق وجمال, أنا الآن أعلم أنني سأواجه مشكله في حياتي الزوجية الجديدة ألا وهي المقارنة, فان لم تكن الزوجة الجديدة ذات خلق وجمال, وبها صفات مميزة, فاني سأظل أقارن بينها وبين المرأة السابقة, هذه الأخت الصغرى فيها كل ما أتنمى من صفات, وأعلم أنه إذا تزوجتها فإنها ستجعلني أنسى ما كان بيني وبين أختها سابقًا إن شاء الله, وقد ذكرت شيئًا من ذلك في رسالتي السابقة وكان من جوابكم أنه إذا كانت نيتي من زواجي بالصغرى هو التقرب للكبرى أو لا, لا والله ليس ذلك أبدًا فنحن ولله الحمد قد أنهينا ما بيننا ولن نعود ما دامت السماوات والأرض بإذن الله, أنا الآن أريد أن أسارع بالزواج,  لو جلست على هذه الحال فإنني سأبحث عن بنت بالحرام نظرًا لحالتي النفسية والعياذ بالله, فأريد أن أعف نفسي,  سؤالي يا شيخ أنني الآن أريد أن أتزوج هذه الأخت الصغرى نظرًا لصفات يتمناها الجميع ليعيش حياة سعيدة, والأخت الكبرى تعرفني جيدًا وتعلم أخلاقي وكل شيء عني, وأهلها يعرفون عني جيدًا, وأنا متأكد بمشيئة الله أنهم لن يرفضوني أبدًا إذا تقدمت لخطبتها, و لكن المشكلة هي أن الأخت الصغرى تعلم قليلًا مما كان بيني و بين أختها, فالكبرى قد قالت لها بعضًا مما بيننا؛ وذلك بسبب الضيق الذي بداخلها فاحتاجت لأن تخرج قليلًا مما بداخلها لأختها, كان ذلك منذ مدة طويلة, أنا متأكد الآن أنها ستقول لأختها الصغرى أنها أنهت علاقتها بي, وأننا ابتعدنا عن بعضنا, أنا أعلم أن الأخت الصغرى تهتم لأمري ولا أظن أنها سترفضني أبدًا, ولكن لا أدري هل سيكون هذا الموضوع عائقًا في موافقتها, أنا فكرت وقلت: أنني سوف أتصل عليها وأحادثها هاتفيًّا, وأسألها ما إذا كان هناك مانع من تقدمي لها بالخطبة, وهذا الكلام سيكون بيني وبينها فقط, لا أحد يعلم, ولا نخبر به أحدًا؛ لتفكر مع نفسها, فهل زواجي منها مستحيل لأي سبب في نفسها, إذا كانت إجابتها أنه ليس مستحيلًا فسأتقدم لخطبتها من أهلها, وإذا قالت: أنه مستحيل؛ لسبب ما, ربما يكون علاقتي السابقة, فإنني سأنهي الموضوع بدون أن يعلم أي أحد به, وقد تكون عندها استفسارات وأسئلة عن الموضوع السابق فسأجيبها وأرى ما رأيها, فما رأيكم يا شيخ فيما سأفعله؟ وما هو التوقيت المناسب؟ فأنا لا أريد أن تقول أنه بمجرد انفصاله عن أختي جاء ليخطبني، وأنه رجل ليس في قلبه حب، نسي بسرعة, لا أدري متى هو التوقيت المناسب, وما الذي يجب علي أن أقوله لها اذا سألتني عن موضوعي السابق؟ ويلزمني سنة ونصف حتى يتوفر لدي المبلغ الكامل للزواج والمهر والبيت والأثاث وكل شي الحمد لله, أنا أتمنى أن أتزوج الآن؛ حتى أنسى, ولكن يجب علي الانتظار حتى يتوفر المبلغ, ولكني سأخطب الآن وأنتظر, ليست هذه هي المشكلة، ولكن المشكلة هي ماذا يجب أن أقول لها, وأرجو منكم نصيحة أخ لأخيه يا شيخ بأن تعطيني أسلوبًا أو طريقة لأخبرها بالأمر. ادع لي يا شيخ بأن يوفقني الله لأتزوج هذي البنت؛ لأنها ستجعلني أنسى ماضيَّ, فأنا لا أريد أن تكون حياتي قائمة على ذكريات قديمة بسبب أنني تزوجت امرأة أخرى ليست كما أتمنى, لن يكون هناك أي رد فعل تجاه أختها في حال رؤيتي لها, فهي امرأة منقبة طبعًا, وهو ما سيحدث نادرًا في حياتنا إذا جاءت وأخي عندنا, وأنا واثق أنه لن يحدث شي بإذن الله, ولن يميل قلبي لها مرة أخرى, وحتى لو حصل ذلك فلن أسمح لذلك التأثير أن يظهر في تعابير وجهي أو تصرفاتي أبدًا مهما حدث أمام زوجتي أو من ورائها, يا شيخ أرجوك أعطني أسلوبًا مناسبًا لإخبار البنت الصغرى هذا الخبر؟ وما الذي يجب علي فعله؟ جزاكم الله خيرًا, ورفع منزلتكم, ووفقكم لما فيه الخير والصلاح, وبارك لكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وأتمنى الرد في أسرع وقت ممكن؛ لكي يتسنى لي التصرف سريعًا قبل أن يتم خطبة البنت من قبل شخص آخر, كما أتمنى عدم النشر, وجزاكم الله خيرًا..

الجواب

الحمد لله

أولا:

الله المستعان، إنا لله وإنا إليه راجعون، كلمات لا تكفي وحدها للبداية في التعليق على رسالتك، لا تكفي وحدها دون أن يكون معها ألَم في القلب، ودمعة في العين، وتحسر على الحال التي وصل لها المسلمون، وخاصة من يزعم منهم الالتزام والاستقامة، ونرجو أن يتأمل هذا من يميع الفتاوى فيبيح الاختلاط المحرم، والمصافحة للأجنبية، والنظر، والدخول على بيت الأخ المتزوج، والجلسات العائلية! ليتأمل هؤلاء ما يحدث في واقع الناس، وليعلموا المسئولية الملقاة على عاتقهم من منع الناس من الوقوع في المحرمات، فكم من دليل يمنع من الدخول على النساء، وكم من دليل يمنع من النظر المحرم، وكم يوجد في الشرع من تحريم لمقدمات الفاحشة، ثم يُتغاضى عن كل ذلك، ويُتساهل في الفتوى، مع وجود المهيجات الجنسية الكثيرة، ومع وجود المفسدات للأخلاق والأديان؟!.

ولا نظن أنك تجهل الأحكام الشرعية، لكن نعتقد أنه قد تخفى عليك أمورٌ كثيرة، لذا سنخاطب الآن إيمانك بالله، وفطرتك، وعقلك، ولن نخاطب عاطفتك؛ لأنها هي التي أهلكتك، فاسمع منا، وتأمل فيما نقوله لك:

  1. هل تعتقد أن زوجة أخيك هي المرأة المناسبة لك؟ هل هي التي ستأمنها على بيتك، وعلى أولادك؟ وهل التي ستتشرف بالاقتران بها بعد خيانتها؟ فكِّر قليلاً، ما الذي يمنعها من تكرار الأمر مع غيرك؟ إن الحب – الخبيث – الذي وقعتما فيه قد يتكرر مع غيرك معها، وإذا كانت استقامتها الآن لم تمنعها من الاستمرار في خيانة زوجها ثلاث سنوات: فما الذي سيمنع من تكرار فصول المأساة نفسها مع غيرك؟!!.
  2. وماذا لو أن غيرك هو الذي أحبها وأحبته؟ نعم، ماذا لو أخبرك صديق لك أنه وقع في غرام زوجة أخيك، وأنها هي تحبه أيضاً، وبينهما مراسلات ولقاءات، فنسألك بالله الذي لا إله غيره أن تجيب صادقاً، هل تعذر هذا الصديق بعشقه لها؟ هل تعذرها بعشقها له؟ هل تسوغ لهما أفعالهما لأن الأمر ليس بأيديهما، وأن الحب أقوى منهما؟ فكيف تقبل لنفسك ما لا تقبله لغيرك – والعذر واحد -؟ وكيف تريد منا أن نمشي لك خيانتك لأخيك، وخيانة زوجته له، وأنت لا تمشي ذلك لصديقك الذي وقع في غرامها ووقعت في غرامه؟!.
  3. تأمل قليلاً لا في عذاب الله الأخروي المتوعَّد به الخائن، والمخبب المرأة على زوجها، والمخرب للبيوت الشرعية، والفاعل للأمور المحرمة من المراسلة والمحادثة مع الأجنبية: بل تأمل العذاب الدنيوي، وهو الفضيحة! نعم، إنها أشد من الجلد، وأشد من السجن، ولعلك تتمنى الموت عليها – وتذكر أنك طلبت منا أن لا ننشر سؤالك ومشكلتك على الموقع، والسبب: الفضيحة! – هذه الفضيحة أبطالها: امرأة ملتزمة مستقيمة متزوجة عندها بيت وزوج وأولاد، والبطل الثاني زوج أختها المستقيم الملتزم المؤتمن على عرض أخيه! ومن هو الضحية؟ إنه الزوج الغافل الذي ائتمن زوجته على بيته وعرضه، إنه الذي ائتمن أخاه على عرضه، وبدلاً من أن يحافظ الأخ على عرض أخيه ذهب لينتهك حرمته، وليفترس عرضه، وكاد للبيت الشرعي حتى فارق الزوج زوجته، ثم تزوج الخائنان!.

هذه هي حقيقة الأمر، شئت أم أبيت، وهذه هي فصول القصة، وهذه هي الفضيحة، فأي حياة سيعيشها أخوك الغافل؟! وأي حياة ستعيشها أنت وتلك الخائنة؟! هل ستهنئان بطعام وشراب؟! وهل ستهنئان بجماع وإنجاب؟!.

  1. وعندنا سؤال لك أيضًا، ونرجو أن تجيبه صادقا، ماذا لو حصل هذا مع زوجتك التي ستتزوجها؟ نعم ما هو موقفك من هذا الأمر؟ وقعت زوجتك في حب شخص، وبادلها الحب بمراسلات ولقاءات – دون الزنا – وهي تعيش معك في بيتك، تنام بجانبها وعقلها عند عشيقها، تقبلها وتتخيل قبلة عشيقها، تلمسها وتتمنى يد غيرك! هذا هو الواقع الذي تعيشه زوجة أخيك الآن، وهذا هو الواقع الذي ستعيشه زوجتك لو حصل معها مثل الذي يحصل الآن مع زوجة أخيك بسببك! فلا تكابر، ولا تجادل، ولا تأمن عقوبة الله لك في الدنيا بمثل ما فعلت مع غيرك.

وتأمل هذا الحديث؛ لتعلم مشروعية سؤالنا هذا، وقارن بين حال الرجل فيه وحالك:

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ، مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ : أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ.

رواه أحمد ( 21708 )، وصححه الألباني في ” الصحيحة ” ( 370 ).

  1. إننا لنجزم أنك تعيش في كآبة، وقلق، وحزن، ونجزم أنك تعلم مدى مخالفتك للشرع، فنسألك بعد ذلك: هل أنت جاهز للقاء الله تعالى؟ ماذا لو كانت خاتمتك وأنت على هذه الحال، فهل هي حال ترضاها لنفسك لتلقى بها ربك؟ وماذا لو كانت خاتمتك – والعياذ بالله – وأنت تراسل أو تحادث زوجة أخيك الأجنبية المتزوجة؟! هل هذه خاتمة حسنة أم سيئة؟ هل يمكنك التفكير في نفسك قليلاً لتعلم أين أنت ذاهب بها؟!.
  2. لا تسوِّغ أفعالك بما هو وهَم ومخالف للشرع والواقع، فلا تقل ليس الأمر بيدي، ولا نستطيع الابتعاد، ولا تقل إن بينها وبين زوجها مشكلات قبل دخولي في حياتها، ولا تقل إننا لم نصل للزنا!، وكل هذا وغيره مما يشبهه في رسالتك وهَمٌ ومخالف للشرع، فالأمر بيدك، وتستطيع معاهدة نفسك، ومعاهدة ربك تعالى أن لا يكون بينك وبينها صلة محرمة، ولو أن كل عاصٍ قال قولتك هذه لما تركت الزانية زناها، ولا اللص سرقاته، بل ولما ترك الكافر كفره!.

وكون المشكلات كانت بينها وبين زوجها قبل دخولك في حياتها لا يعني أنك لست السبب في استمرارها وعظمها، ولو لم تكن أنت في حياتها لتفاهمت مع زوجها بما يصلح بيتها، ولكنها تتأمل في أن تخلصها – بزعمها – من مشكلاتها مع زوجها لتعيش معك – بزعمكما – حياة هانئة، وأنَّى لكما هذا!.

وقولك إننا لم نصل للزنا! ماذا يعني؟ هل الذي منعكما هو الخوف من الله تعالى؟ فلم عصيتموه ولم تخافوه فيما تفعلانه من المحرمات؟ وهل يعني أنكما تملكان نفسيكما وتأمنان من الوقوع فيه؟ هذا محض خيال، والزنا أقرب إليكما من عدمه، وكيف لا وقد وقعتما في زنا اليد والرجل واللسان والأذن؟!.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ: النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ: الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ “.

رواه البخاري ( 5889 ), ومسلم ( 2657 ).

وفي رواية أحمد ( 10537 ):

” كُلُّ ابْنِ آدَمَ لَهُ حَظُّهُ مِنْ الزِّنَا؛ فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ؛ وَزِنَا الْيَدَيْنِ الْبَطْشُ؛ وَزِنَا الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ؛ وَزِنَا الْفَمِ الْقُبَلُ, وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى, وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ “.

ثانيا:

إن فتنة النساء فتنة عظيمة، وقد أوقعت المرأة في شباكها طوائف وجماعات، فكم من حاكم سُلب حكمه بسبب امرأة، وكم من طالب علم ضيَّع علمه بسببهن، وكم من زاهد وعابد أشغلنه عن طاعة الله تعالى، وانظر ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في فتنتهن:

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ “.

رواه البخاري ( 4808 ) , ومسلم ( 2740 ).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ, وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ, فَاتَّقُوا الدُّنْيَا, وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ “. رواه مسلم ( 2742 ).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

” أخبر صلّى الله عليه وسلم في هذا الحديث بحال الدنيا وما هي عليه من الوصف الذي يروق الناظرين والذائقين، ثم أخبر أن الله جعلها محنة، وابتلاء للعباد، ثم أمر بفعل الأسباب التي تقي من الوقوع في فتنتها.

فإخباره بأنها حلوة خضرة يعم أوصافها التي هي عليها، فهي حلوة في مذاقها وطعمها، ولذاتها وشهواتها، خضرة في رونقها وحسنها الظاهر، كما قال تعالى: (  زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ” [ آل عمران / من الآية 14 ] ، وقال تعالى: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) [ الكهف / الآية 7 ] .

فهذه اللذات المنوعة فيها، والمناظر البهيجة، جعلها الله ابتلاء منه وامتحانا، واستخلف فيها العباد لينظر كيف يعملون, فمن تناولها من حلها، ووضعها في حقها، واستعان بها على ما خلق له من القيام بعبودية الله: كانت زاداً له وراحلة إلى دار أشرف منها وأبقى، وتمَّت له السعادة الدنيوية والأخروية.

ومَن جعلها أكبر همه، وغاية علمه ومراده: لم يؤتَ منها إلا ما كُتب له، وكان مآله بعد ذلك إلى الشقاء، ولم يهنأ بلذاتها، ولا شهواتها، إلا مدة قليلة، فكانت لذاته قليلة، وأحزانه طويلة.

وكل نوع من لذاتها فيه هذه الفتنة والاختبار، ولكن أبلغ ما يكون وأشد فتنة: النساء؛ فإن فتنتهن عظيمة، والوقوع فيها خطير، وضررها كبير؛ فإنهن مصائد الشيطان وحبائله، كم صاد بهن من مُعافى فأصبح أسير شهوته، رهين ذنبه، قد عَزَّ عليه الخلاص، والذنب ذنبه فإنه الذي لم يحترز من هذه البلية، وإلا فلو تحرز منها، ولم يدخل مداخل التهم، ولا تعرض للبلاء، واستعان باعتصامه بالمولى: لنجا من هذه الفتنة، وخلص من هذه المحنة.

ولهذا حذر النبي صلّى الله عليه وسلم في هذا الحديث منها على الخصوص، وأخبر بما جَرَّت على من قبلنا من الأمم؛ فإن في ذلك عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين “.

” بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخيار ” ( ص 177 ، 178 ).

ولو لم يكن منا أخي السائل إلا نقل هذا الحديث وشرحه من هذا الإمام لكان كافيا لك، فنرجو إعادة قراءة الحديث وشرحه؛ ففيه بيان أصل مشكلتك، وسببها، وفيه الحل الشرعي.

ثالثا:

والذي ننصحك به إذا كنت تريد النجاة من خزي الدنيا والآخرة:

  1. الكف المباشر – ودون تردد – عن الكلام مع زوجة أخيك، مهاتفة، ومشافهة، ومراسلة، والخروج الكلي من حياتها، ومن باب أولى عدم اللقاء بها لا في مناسبة، ولا غير مناسبة، فهي أجنبية عنك، وعلاقتك مع أخيك لا تستلزم لقاء زوجته ومحادثتها.
  2. الانتقال من المكان الذي تعيش فيه إن كان بالقرب من أخيك إلى مكان آخر بعيد، وإذا صعب عليك هذا: فالكف عن زيارة بيت أخيك، ولو لمناسبة، ويمكنك الالتقاء به في بيتك، أو محادثته على الهاتف، إلى أن يُصلح الله قلبك، ويُصلح زوجته.
  3. إذا كان زواجك من أخت زوجة أخيك تقصد منه القرب من أختها، أو أن هذا الزواج لن يصلح حالك وحال أختها: فلا تتزوجها، ولا تدمِّر بيتاً ثانياً، وتحطم قلباً آخر!.

بل إننا لا نختار لك مطلقًا أن تتزوج هذه الأخت الصغرى؛ فإنه يخشى من ذلك أن تزيد فرص اللقاء والاتصال بينكما، إما في بيتك أو بيت أخيك، أو بيت أصهارك؟!!.

فاحذر الشهوة الخفية يا عبد الله!!.

إنك في هذه العلاقة الآثمة تعديت حدود الله، واعتديت على حق أخيك ورحمه، فكيف لو كانت أختها عندك، وبقيتما على هذه الحال، أو انكشف شيء من أمركما، ستكون قطعتَ رحم أخيك، وقطعت هي رحم أختها، و … !!.

إن حرمة العدوان هنا، يا عبد الله ستكون أعظم؛ فلو أردت الزواج بأخرى، بعد امرأتك، لحل لك ما طاب من النساء، وأما أخت زوجك فهي عليك حرام، لو كانت خلية، فكيف لو كانت متزوجة، فيكف لو كانت زوجة لأخيك، فكيف لو لم ترد الحلال، وإنما هي خطوات الشيطان؟!!.

وإذا لم تقصد بزواجك منها ما سبق، وسيكون تزوجك بها قاطعا للعلاقة الآثمة مع أختها، ولن يكون التزوج بها مُرجعا الأمور السيئة لحالها: فالذي نراه أنك لا تقدم على ذلك إلا إذا كنت قادرًا على الابتعاد عن المخالطة بأخيك وبيته، والاجتهاد في نقل عملك ومسكنك إلى مكان آخر، حيث يعز اللقاء بينكما، وتيأس النفوس من مطامعها.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ”  يَا مَعْشَر الشَّباب مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ, فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ “.

رواه البخاري ( 1806 ) , ومسلم ( 1400 ) .

وفي النساء، سوى هذه الفتاة كثير يا عبد الله, فاستبرئ لنفسك، وتذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم: ”  دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ “. رواه الترمذي (2518) وصححه الألباني.

وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ – رحمه الله -: ” مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنْ الْوَرَعِ؛ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ” ذكره البخاري في صحيحه.

واترك عنك قول الإثم والإفك ” أني لا أريد أن أغضبها ” فكيف ترضى أن تُغضب الله تعالى ويهون عليه ذلك، وتستعظم غضب عشيقتك المتزوجة من أخيك؟!.

  1. عمِّر قلبك بالإيمان، واغسل درنه بالطاعات، ولا تقبل لنفسك أن تكون مع العصاة، ولا تقبل لنفسك إلا طهارة القلب، واللسان، الجوارح، ولو بدأت توبتك بالذهاب للعمرة، والإكثار من الطواف والصلاة والدعاء هناك: فهو خير لك إن شاء الله.
  2. استعن بالله خالقك، وتذلل بين يديه، واطلب منه الصفح والعفو، واسأله أن يطهر قلبك من الرجس.
  3. أشغل وقتك بالمفيد والنافع، ولا تستسلم لنزغات الشيطان ووساوسه، واعلم أنه يكيد لك، ويريد إيقاعك في شباك سوئه، فاحذره، واستعن بالله تعالى عليه.

رابعا:

وهذه رسالة عامة لكل مسلم: أن يتقي الله في نفسه، ويتقيه تعالى في أهل بيته، وإياكم والتساهل في دين الله، وكم من رجل تساهل مع بناته أو مع زوجته في الأحكام الشرعية فندم وخسر خسرانا مبينا، كم تساهل الناس مع أخت الزوجة فوقعوا في محاذير شرعية، وكم تساهل الناس مع أخي الزوج فوقعوا كذلك مثلهم، والشريعة المطهرة فيها النجاة لمن تمسك بها، وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر.

عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِيَّاكُمْ وَالدُّخولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَار: يَا رَسُولَ الله، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ “.

رواه البخاري ( 5232 ) , ومسلم ( 2172 ).

الحمو: أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

” لو قيل: إنه يجب أن تستر عن أخي زوجها أكثر مما تستتر عن رجل الشارع، لو قيل بذلك: لكان له وجه؛ لأنها إذا كشفت وجهها لأخي زوجها، وهو معه في البيت: صارت الفتنة أعظم، فأي ساعة يدخل البيت – وقد أغراه الشيطان – يمكن يحاول خداعها، لكن في الشارع لو أن الرجل نظر إليها وأعجبته لا يستطيع الوصول إليها كأخي زوجها، فالمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذه النقطة، حيث قال: ” إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ “.   يعني: فاحذروه “.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 85 / السؤال رقم: 5 ).

وقال – رحمه الله -:

” يعني: فِرُّوا منه كما تفرون من الموت، وهو البلاء؛ لأن الحمو إذا دخل على بيت قريبه تجد الناس لا تنكره، وهو – أيضاً – يرى أن الأمر هين أن يدخل على بيت قريبه؛ فيحصل الشر “.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 63 / السؤال رقم: 1 ).

فاحذروا الاختلاط، وكفوا وأهلَكم وأولادكم عن مشاهدة الفضائيات الفاجرة، وتابعوا أنفسكم وأهليكم بالنصح، ونسأل الله تعالى أن يصلح بيوت المسلمين، وأن يهدي أولياء الأمور لما فيه صلاحهم وصلاح ذرياتهم وأهليهم.

وأنت أخي السائل:

اتق الله تعالى ربك، واعلم أنه تعالى يراك، ويعلم خائنة نفسك، وما يُخفي صدرك، وقد جاءك البرهان والبيان، وأقيمت عليك الحجة، فلا تفرِّط في نفسك، ولا تكن سبباً لفساد دين وأخلاق غيرك، وداوم على العلم النافع والعمل الصالح، واسأل الله تعالى أن يتجاوز عنك ما مضى، وأره من نفسك صدقاً في التوبة وإصلاح الحال.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ “.

رواه الترمذي ( 1987 ) ، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

إذا ما خلوتَ بريبة في ظلمـة               والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها               إن الذي خلق الظلام يراني

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة