حكم إنشاء مدونة إلكترونية ( BLOG ) للقيام بالدعوة و التعبير عن بعض الأفكار

السؤال

أفكر في إنشاء مدونة الكترونية ( BLOG ) أعبر فيها عن بعض أفكاري، وأضع فيها مواضيع منوعة، ومختارة عن الإسلام، والأخبار، وغيرها، فما هي الضوابط المحكمة لهذا الموضوع، هل يمكن اعتبار ذلك من اللغو الذي ينبغي أن يعرض عنه المؤمنون؟ وأحس أن عدم فعله من جهة أخرى تقصير، وعدم دفاع ودعوة عن الإسلام، ما دمت أعرف عنه ما يكفي خصوصًا بواسطة الإنترنت.

الجواب

الحمد لله

أوّلًا:

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما هي الدعوة الناجحة، ومن أين تستنبط، وما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الداعية إلى الله ؟ مع ذكر بعض الكتب التي تتحدث عن هذا المجال.

فأجابوا: ” أولًا: الدعوة الناجحة هي: الدعوة إلى الله تعالى على علم وبصيرة، قال الله سبحانه وتعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ) [ فصلت / من الآية 33 ].

وقال تعالى: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) [ يوسف / من الآية  108 ].

ثانيًا: تستنبط الدعوة الناجحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتطبيق الصحابة والتابعين وأتباعهم لذلك على الوجه الصحيح.

ثالثًا: من الشروط التي يجب أن تتوافر في الداعية إلى الله ما جاء ذكرها في قصة شعيب، قال الله تعالى حكاية عن شعيب عليه الصلاة والسلام: ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [ هود / الآية 88 ].

ففي هذه الآية بيان أن من شروط الدعوة: العلم، والكسب الحلال، وامتثاله لما يدعو إليه؛ فيجتنب ما نهى الله عنه، ويمتثل ما أمر الله به، والنية الحسنة، وتفويض الأمر إلى الله تعالى، والتوكل عليه، وأنه هو الذي بيده التوفيق والإلهام.

ومن الشروط أيضًا ما ذكره الله تعالى بقوله: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [ النحل / من الآية 125 ].

ومنها: التحلي بالصبر، قال تعالى: ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ) [ النحل / من الآية 127 ].

وقال تعالى: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) [ الكهف / الآية 28 ].

رابعًا: الكتب التي تتحدث عن هذا المجال: القرآن الكريم؛ فعليك حفظه والإكثار من تلاوته وتدبره، والعناية بالعمل به والدعوة إليه، وتضم إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنها تفسر القرآن وتبينه، ومن كتب السنة: الصحيحان للبخاري ومسلم، وموطأ مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن الإمام ابن ماجه .. وغيرها من كتب السنة، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكتب أئمة الدعوة: الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه “. فتاوى اللجنة الدائمة (12 / 243 – 244).

الشيخ عبد العزيز بن باز. الشيخ عبد الرزاق عفيفي. الشيخ عبد الله بن غديان. الشيخ عبد الله بن قعود.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ذكرت أن الداعي لابد له من معرفة حال المدعو، هل الوسائل مثل المكاتبة والشريط والكتاب تكفي إذا علمت أن حال المدعو قد تدخل في جدال معه ونقاش طويل؟.

فأجاب: ” لا شك أن وسائل الدعوة كثيرة إما بالمقابلة أو المشافهة، وإما بالمراسلة بالكتابة، وإما بالمراسلة عن طريق الشريط، المهم الوصول إلى هداية الخلق بأي وسيلة، وإذا رأيت مثلاً: أنك إذا دخلت معهم مشافهة يحصل في هذا جدل ولا ينتفع أحدكما بالآخر، فلا بأس أن ترسل له رسالة خطية أو شفوية عن طريق الشريط “. لقاءات الباب المفتوح (94 / 12).

سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

( ما رأيكم في أساليب الدعوة الحالية هل إدخال أساليب جديدة تناسب العصر أمر مناسب؟.

فأجاب: ” لا شك أن الدعوة إلى الله من أعظم الواجبات في كل زمان ومكان، وذلك منذ بدء إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام من وقت آدم عليه السلام وحتى نهاية الخليقة، والمؤمنون مكلفون بهذه المهمة, قال تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) [ آل عمران / من الآية 110] .

وقال تعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ آل عمران / الآية 104 ].

فمسئولية الأمة المحمدية في مجال الدعوة أكبر مسئولية، ذلك بما حباها الله من هذا الدين وهذا الكتاب العظيم، وهذا الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام بما أعطاه الله من قدرة على البيان وحرص على هداية الخلق.

وأساليب الدعوة إلى الله لا شك أنها تستمد من الكتاب والسُّنَّة، فالرسول عليه الصلاة والسلام قام بالدعوة منذ أن بعثه الله إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وقد اتخذ عليه الصلاة والسلام أسلوبًا متكاملا في الدعوة وقد استوعبها وفهمها وطبقها هو ومن حوله من صحابته, قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب / من الآية 21 ].

فهو قدوة الدعاة والعاملين والمجاهدين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, ولا مانع في الأساليب أن نستعين بالخبرات والوسائل المتعددة المفيدة والمتجددة مع الأخذ في الاعتبار ألا نحيد عن منهج الرسول – صلى الله عليه وسلم – من حيث المنهج والأسلوب المتبع، وكذلك لا يكون التجديد في أساليب الدعوة تجديدًا مخالفًا لهدي الرسول – صلى الله عليه وسلم- إنما يكون التجديد في نطاق منهج الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعلينا أن ندرك أن حالة كل مجتمع تختلف عن الآخر، ولهذا يجب أن نختار الأسلوب المناسب لكل مجتمع ندعو فيه إلى الله، كذلك علينا أن نعي بأن الدعوة عالمية وليست دعوة محلية أو قبلية.

قال تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) [ الفرقان / الآية 1 ] ؛ ولأن الدعوة عالمية وشاملة لا بد أن نلم بأحوال العالم كله واختلاف طبيعة كل مجتمع، وأن نُعد لكل حالة ما يناسبها ) المنتقى من فتاوى الفوزان (45 / 12- 13) السؤال رقم: ( 188 ).

 قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والداعي لابد له من أمور تجب عليه مراعاتها:

1- إخلاص النية لله عز وجل:

وهذا هو أهم الأمور وأشدها على النفوس، حتى قال بعض السلف: [ ما جاهدت نفسي على شيء ما جاهدتها على الإخلاص ] لأن الإنسان يعتري نفسه النظر إلى أشياء كثيرة: إما إلى الجاه، أو إلى القرب من الناس، أو إلى التصدر، أو إلى أمور دنيوية أخرى كثيرة تخدش الإخلاص وتخل به, فما هو الإخلاص في الدعوة إلى الله عز وجل؟.

الإخلاص في الدعوة إلى الله عز وجل: أن ينوي الداعي قبل كل شيء أنه ممتثل لأمر الله قائم بأمره، مطيعٌ له؛ لأن الله أمره بذلك: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ) [ النحل / من الآية 125 ] , وإذا نوى هذه النية صارت دعوته عبادة، لا يكتب كلمة إلا وله فيها أجر، ولا يلفظ بحرف إلا وله فيه أجر، ولا يمشي إلا وله أجر، ولا يجلس إلا وله أجر، ولا يقوم إلا وله أجر، ما دام في هذه المهمة العظيمة الدعوة إلى الله.

ويضاد ذلك: أن يكون الإنسان يريد من القيام داعياً بين الناس أن يظهر أمامهم، وأن يجلوه، وأن يعظموه، وأن يجعلوه قائداً، فإن هذه نية دنيئة، أدنى من الدين الإسلامي.

الدين الإسلامي يجب أن يكون هو المراد، وألا يكون المراد هو النفع الذاتي، فإن ذلك نقص عظيم.

ثانيا: من أمور الإخلاص: أن يقصد الإنسان بالدعوة إلى الله عز وجل إقامة دين الله في عباد الله، لأن الدين مثل الأرض الرياض.. الأرض الرياض قابلة للزرع لكنها تحتاج إلى ماء، فالدعوة إلى الله بمنزلة الماء الذي ينزل على الأرض الروضة القابلة للإنبات، كذلك ينزل هذا الوحي على قلوب الرجال بواسطة هذا الداعية فتقوم الملة وتستقيم الأمة، وهذا مقصد حسن؛ أن يكون قصد الإنسان بالدعوة إلى الله إقامة دين الله في عباد الله. ويتعلق بالإخلاص كذلك: أن ينوي إصلاح عباد الله؛ لأن العباد يعثرهم ثلاثة أمور:

الأمر الأول: هوى النفس.

والثاني: الشيطان.

والثالث: البيئة والمجتمع.

ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: ” كل مولودٌ يولد على الفطرة: فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه “؛ لأن البيئة لها تأثير عظيم. الهوى أيضاً، الشيطان.. فلا بد أن يكون هناك دعوة تعين عباد الله على محاربة الأعداء الثلاثة وهي: النفس، والشيطان، والمجتمع ، ولهذا تجد فرقاً بين شخص يعيش بين أهلين مستقيمين، وبين آخر يعيش بين أهلين منحرفين ، فالدعوة إلى الله لابد أن ينوي الإنسان بها إصلاح عباد الله.

2- الدعوة إلى الله بحكمة:

الحكمة: هي أن يضع الأشياء مواضعها, ومن الحكمة العلم، أن يكون عالما بما يدعو إليه، عالما بحال من يدعوهم أيضا، فأما كونه عالما بما يدعو إليه فلا بد أن يكون عنده علم من الشرع، يعرف أن هذا حق فيدعو إليه، ويعرف أن هذا باطل فيحذر منه، وأما أن يقوم رجل جاهل لا يعرف فيدعو ويدَّعي أن الله يلهمه حين كلامه وحين خطابه، فهذا غلط، بل لا بد أن يعلم أولاً ثم يدعي؛ لأنه إذا لم يعلم ما يدعو إليه فقد يَضِلْ ويُضِلْ أيضا، وإصلاح الناس بعد الإضلال على يد شخص يقول إنه داعية يصعب على الإنسان أن يقيمه، وأن يزيل هذا الضلال, وإذا تكلم بما لا يعلم فقد وقع هو نفسه فيما حرم الله عليه, قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) [ الأعراف / الآية 33 ].

وقال تعالى: ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) [ الإسراء / الآية 36 ].

فكيف تدعو بما لا تعلم؟ وأن يكون عنده علم بحال المدعو حتى يكون منزلاً له منزلته، لأن هناك فرقا بين أن تدعو شخصا جاهلا ساذجا لا يعرف شيئا، وهو لين العريكة طيب القلب، فهذا دعوته سهلة، ينقاد بأدنى سبب، وبين أن تدعو رجلا ماردا عنده جدل ولسان فصيح، فهذا يحتاج إلى دعوة قوية، وتكون بأسلوب مقنع واضح بين ينبني على الأدلة من الكتاب والسنة وعلى الأدلة من العقل أيضاً؛ لأن من الناس من إيمانه بالكتاب والسنة ضعيف، لكن إذا ذكرت له أشياء معقولة خضع وعجز عن الجدال؛ فلا بد أن تعلم حال من تدعوهم إلى الله عز وجل لتكون على بصيرة من الأمر في كيفية دعوتهم، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له: ” إنك تأتي قوما أهل كتاب “, فبين له حالهم من أجل أن يكون لديه استعداد لمواجهتهم وكيفية مخاطبتهم, وإذا كان عنده – أي عند الداعية – علم بأحوال المدعو فإنه سوف ينزله منزلته، إن كان من أصحاب لين القول ألان له القول، وإن كان من أصحاب إغلاظ القول أغلظ له القول ولا بأس، فإن الله يقول: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) [ العنكبوت / من الآية 46 ] .

فهؤلاء الذين ظلموا يعاملون معاملة تليق بظلمهم، والظلم هنا بمعنى المعاندة، أي: معاندة الحق والمراوغة.

3- الأسوة الحسنة:

ومما تجب العناية به بالنسبة للداعي: أن يكون هو أسوة حسنة، عنده عبادة ومعاملة طيبة، وعنده أيضاً أخلاق يدعو الناس بها، وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: ” إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم ولكن تسعوهم بحسن الخلق “, فحسن الخلق جذاب، كم من إنسان قليل العلم يهدي الله على يديه أمماً لأنه حسن الخلق، وكم من إنسان عنده علم واسع كثير لكنه جاف سيئ الخلق ينفر الناس منه، وقد ذكر الله نبيه بهذا فقال: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) [ آل عمران / من الآية 159 ].

وهذه الرحمة رحمة للداعي وللمدعو، فهي رحمة من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام، ورحمة من الله للخلق الذين يدعوهم الرسول؛ لأنه لو كان فظا غليظ القلب ما اهتدوا على يديه، فلهذا ينبغي للداعية أن يكون رحب الصدر واسعاً، يأخذ ويعطي ولا يأنف؛ ولهذا قال: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) [ السجدة / من الآية 24 ].

 ومن صبرهم: أن يصبروا على أذى الناس الذين يدعونهم؛ لأنه لابد من أذية، فلابد من الصبر. وكذلك من آداب الداعية: أنه ينبغي له أن يتقيد بما يقول حسب ما تقتضيه الحاجة، فهناك أناس لا يحسن أن تتكلم معهم في أمور اجتماعية توجب تشتت أفهامهم وأفكارهم، وربما توجب العداوة بينهم، وهناك أناس مميزون يمكن أن تتكلم عندهم في الأمور الاجتماعية لمحاولة إصلاحها، فالناس يختلفون، ولهذا أنا أحث نفسي وإياكم على ألا نحقر أنفسنا على أن ندعو إلى الله بكل ما نستطيع وبكل أسلوب وعلى كل حال؛ لأن ذلك خيرٌ لنا ولمن ندعوهم إلى الله، فإن ( من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة “.

لقاءات الباب المفتوح (94 / 2).

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يقول البعض في أمر الدعوة حين يأتون إلى دعوة القوم من أهل الكتاب يقولون: لا نقدر أن ندعو الناس هؤلاء بالقرآن لأنهم أصلاً لا يؤمنون بالقرآن، علما أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذاً إلى أهل اليمن بعثه إلى أهل كتاب، وفي رواية البخاري: ” أن يوحدوا الله ” وقول شيخ الإسلام: القرآن كله توحيد، فماذا يكون نصيحتكم فضيلة الشيخ لهذه المقولة، التي أخشى أن يكون فيها تعطيل لكتاب الله؟.

فأجاب: ” نحن نقول: إن الدعوة إلى دين الله تعالى وإلى شريعة الله لا تكون إلا بالطرق التي شرعها الله عز وجل، ولا شك أن الدعوة بالقرآن والسنة هي أقرب وسيلة إلى القبول، لكن لا مانع من أن يكون لدى الإنسان أدلة عقلية يؤيد بها الكتاب والسنة؛ لأن من الناس من لا يؤمن بالأدلة السمعية أي: بالقرآن والسنة، لكن إذا أتته الأدلة العقلية اقتنع، وهذا موجود في القرآن، فإن الله تعالى يحاج بعض المشركين بالأدلة العقلية وهذا إبراهيم قال لأبيه: ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ) [ مريم / الآية 42 ].

فحاجه بالأدلة العقلية، وكذلك حاج قومه بذلك بالأدلة العقلية حين رأى كوكبا فقال: هذا ربي، ورأى القمر فقال: هذا ربي، ورأى الشمس فقال: هذا ربي، وكلها لما غابت تبينت أنها ليست آلهة، وأما كون النصارى واليهود لا يؤمنون بالقرآن فلا يخالهم لا يؤمنون به، لكن لا يؤمنون بعموم الرسالة، ولهذا تجدهم يرون الاحتجاج بالقرآن، وسمعت في المؤتمر الباطل الذي يعقد الآن في القاهرة مؤتمر السكان والبيئة سمعت صدىً عظيماً للآية التي تلتها رئيسة وزراء باكستان وهي قوله تعالى: ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) [ الأنعام / من الآية 151 ] , والآية الأخرى: ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) [ الإسراء / من الآية 31 ] .

حيث نقلوا مما تكلمت به أنها استدلت بهذه الآية، وهذا يدل على أن للقرآن شأناً حتى عند غير المسلمين. السائل: شيخنا! الأدلة العقلية التي ذكرتها من القرآن هي شاهد على الربوبية إذاً هي من القرآن، أليس كذلك؟ الشيخ: نعم، لكنها أدلة عقلية “. لقاءات الباب المفتوح ( 72 / السؤال رقم: 3 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة