توفي زوجها وتسأل لمن تكون الحضانة إذا تزوجت من بعده؟

السؤال

مات زوجي، فمع من يعيش أبناؤنا، معي؟ أم مع أهل زوجي؟ وماذا لو أردت أن أعود إلى بلدي، فهل لي أن أصطحب أبنائي معي؟ أم أن الواجب تركهم مع أهل زوجي؟ هل لأهل زوجي الحق في تربية أبنائي؟ وهل للزوجة الحق في تربية الأبناء حتى لو رغبت في الزواج؟

الجواب

الحمد لله

أولا:

الحضانة شرعا: هي حفظ مَن لا يستقل بأموره، وتربيته بما يصلحه.

” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 299 ).

وفي ( 17 / 301 ):

مقتضى الحضانة: حفظ المحضون، وإمساكه عما يؤذيه، وتربيته لينمو، وذلك بعمل ما يصلحه، وتعهده بطعامه، وشرابه، وغسله، وغسل ثيابه، ودهنه، وتعهد نومه، ويقظته. انتهى.

ثانيا:

وقد اتفق الفقهاء على أن الأم هي أحق الناس بحضانة أولادها قبل سن التمييز إذا حصل طلاق بينها وبين زوجها، أو حصلت له وفاة.

قال ابن المنذر – رحمه الله -:

” وأجمعوا على أن لا حقَّ للأُم في الولد إذا تزوجت “.

” الإجماع ” ( ص 95 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 301 ، 302 ):

وحضانة الطفل تكون للأبوين إذا كان النكاح قائماً بينهما، فإن افترقا: فالحضانة لأم الطفل باتفاق؛ لما ورد أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: ” أنت أحق به ما لم تنكحي “. انتهى.

ثالثا:

والحضانة حق للحاضن لا حق عليه، فيمكنه التخلي عنها، إلا أن يتعين ذلك عليه لعدم وجود من يقوم بها غيره.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” والحضانة حق للحاضن لا حق عليه، وعلى هذا فإذا أراد أن يتخلى عنها لمن دونه: جاز له ذلك “. ” الشرح الممتع ” ( 13 / 536 ).

رابعا:

وقد يتوجب انتقال الحضانة عن الأم لأسباب منها: عدم أهليتها للحضانة بسبب عجزها البدني، أو بسبب فسقها، أو قد تتزوج من غير قريب لأطفالها فينتقل حق الحضانة لغيرها.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

” ودل الحديث – أي : حديث: ” أنتِ أحق به ما لم تنكحي ” – على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد: فالأم أحق به من الأب، ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا يُعرف فيه نزاع “. ” زاد المعاد ” ( 5 / 435 ).

خامسا:

وقد اختلف الفقهاء في تحديد من ينتقل إليه حق الحضانة بعد سقوطه عن الأم – بسبب موتها، أو زواجها، أو عجزها، أو فسقها، أو كفرها -، فذهب جمهورهم إلى أنها تنتقل إلى أم الأم، وخالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله -، فقالا بانتقالها إلى الأب، ومن هم من جهته، كأم الأب، وأخت الأب، والعمة، وهنَّ أولى من أم الأم، والأخت من الأم، ومن الخالة.

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

” … بخلاف الصغير، فإن الأم أصلح له من الأب؛ لأن النساء أرفق بالصغير، وأخبر بتغذيته، وحمله، وأصبر على ذلك، وأرحم به، فهي أقدر، وأخبر، وأرحم، وأصبر، في هذا الموضع، فعينت الأم في حق الطفل غير المميز بالشرع.

ولكن يبقى ” تنقيح المناط “: هل عينهن الشارع؛ لكون قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في الحضانة؟ أو لكون النساء أقوم بمقصود الحضانة من الرجال فقط؟ وهذا فيه قولان للعلماء. يظهر أمرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم: مثل أم الأم، وأم الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، ومثل العمة، والخالة، ونحو ذلك، هذا فيه قولان، هما روايتان عن ” أحمد “، وأرجح القولين في الحجة: تقديم نساء العصبة، وهو الذي ذكره ” الخرقي ” في ” مختصره ” في العمة والخالة، وعلى هذا: أم الأب مقدَّمة على أم الأم، والأخت من الأب مقدمة على الأخت من الأم، والعمة مقدمة على الخالة, كما تقدم, وأقارب الأب من الرجال على أقارب الأم، والأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعم أولى من الخال … .

ولم يقدِّم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام، فمن قدمهن في الحضانة: فقد خالف أصول الشريعة، ولكن قدَّم الأم لأنها امرأة، وجنس النساء في الحضانة مقدمات على الرجال، وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد، كما قدَّم الأم على الأب، وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله، هذا هو القياس والاعتبار الصحيح، وأما تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب: فمخالف للأصول، والعقول “. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 122 ، 123).

سادسا:

ولا يجوز للحاضن أن يسافر بأولاده سفرا بعيدا خارج مكان إقامة الطرف الآخر، ويتحتم المنع إن كان بقصد الإضرار به، وعدم تمكينه من رؤيته، وزيارته.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 309 ):

وإذا انقضت عدة الأم: فمكان الحضانة هو البلد الذي يقيم فيه والد المحضون، أو وليه، وكذلك إذا كانت الحاضنة غير الأم؛ لأن للأب حق رؤية المحضون، والإشراف على تربيته، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان الحاضن يقيم في بلد الأب، أو الولي.

هذا قدر مشترك بين المذاهب، وهو ما صرح به الحنفية وتدل عليه عبارات المذاهب الأخرى. انتهى.

وفي ( 17 / 317 ):

لكل من أبوي المحضون إذا افترقا حق رؤيته، وزيارته، وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء. انتهى.

سابعا:

وقد اختلف العلماء في السن الذي تنتهي عنده الحضانة، وأعدل الأقوال، وأقواها: هو قول الحنابلة، وتلخيص مذهبهم في ذلك:

أ. قبل سن السابعة تكون الحضانة للأم، للذكر والأنثى من أولادها.

ب. بعد سبع سنين: يُخيَّر الذكَر بين أمه وأبيه، وتنتقل الأنثى إلى أبيها.

ج. وفي سن الرُّشْد يكون الذَّكر حيث يشاء، وتبقى الأنثى عندما أبيها، حتى يسلمها لزوجها.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

” البنت الصغرى حضانتها لأمها ما لم تتزوج، أو يكمل لها سبع سنين فتكون حضانتها لأبيها بشرط أن لا يلحقها ضرر ببقائها عند أبيها.

وأما الكبرى فحضانتها لأبيها ما لم يلحقها ضرر من بقائها عند ضرة أمها “.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 874 ).

ثامنا:

وكل ما سبق ذِكره من أحكام في الحضانة للأب: فهي تشمل من يقوم مقامه عند عدمه، أو عند سقوط حضانته، وتشمل من يقوم مقام الأم عند عدمها، أو عند سقوط حضانتها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

” وغير الأم ممن له الحضانة من النساء يقوم مقامها، وغير الأب من عصبات الولد يقوم مقامه عند عدمهما، أو كونهما من غير أهل الحضانة “.

” المغني ” ( 9 / 305 ).

تاسعا:

وليُعلم أن أحكام الحضانة مبنية على رعاية مصلحة المحضون، وعليه: فإنه من يثبت فسقه، أو فجوره، أو إهماله لدين ودنيا المحضون: فإنه لا يمكَّن من حضانته، ويسقط حقه في الحضانة، حتى لو كان أحد الأبوين.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” واعلم أن هذه المسائل يجب فيها مراعاة المحضون قبل كل شيء، فإذا كان لو ذهب مع أحدهما، أو بقي مع أحدهما: كان عليه ضرر في دينه، أو دنياه: فإنه لا يُقرُّ في يد من لا يصونه، ولا يُصلحه؛ لأن الغرض الأساسي من الحضانة هو حماية الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه “. ” الشرح الممتع ” ( 13 / 545 ).

وخلاصة ما سبق مما يتعلق بكِ:

  1. أنتِ أحق بأولادك من أهل زوجك، حضانةً، ورعاية، وتربية.
  2. يجب أن تمكني أهل زوجكِ من رؤية أولادك، وزيارتهم.
  3. لا يجوز لك السفر بهم بعيداً عن مكان إقامة أهل زوجك، وإلا انتقلت حضانتهم إليهم.
  4. تسقط عنك حضانة أولادك إن تزوجتِ، وينتقل الأولاد إلى أم أبيهم، فإن لم توجد: فأخت أبيهم، ثم خالتهم.
  5. قبل سن السابعة – وهو سن التمييز – يبقى أولادك معك، فإذا بلغوا سنَّ السابعة: خُيِّر الذكر بينك وبين قرابة أبيه، فإن اختار البقاء معكِ فله ذلك، أو اختار الذهاب لأهل والده فله ذلك، بشرط أن يكون من اختاره ليس فاسقا، وأن يكون يحسن تربيته ورعايته، وتلتحق الأنثى لتلك القرابة حتى زواجها، وكل هذا في حال أنك لم تتزوجي؛ لأنه بزواجك ينتقل أولادك لقرابة زوجك، كما سبق.

والذي ننصحك به:

هو حسن التربية والعناية بأولادك، والإحسان لأهل زوجك وعدم قطيعتهم، وعدم قطع أولادك عنهم، وأن تفكري جديًّا بالزواج؛ لأن فيه إعفافا لك، ولن تنقطع صلتك بأولادك، ولعل الله تعالى أن يرزقك ذرية أخرى طيبة صالحة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة