صاحب الجبيرة الذي لا يستطيع الاغتسال هل يباح له التيمم؟
السؤال
قمت بإجراء جراحة على مفصل ركبتي، ووضعوا لي جبيرة من أسفل الساق إلى أعلاه، وفي الأيام الأولى لم أكن أستطيع حتى القعود، حصل أن احتلمت، فهل يجب عليَّ الغسل أم يكفيني التيمم؟ صليت يومين بالتيمم ثم طلبت من أقاربي أن يغسلوني، و لكنني احتلمت في اليوم التالي، وأقاربي لديهم مشقة كبيرة في غسلي، فانتظرت عدة أيام حتى أغسلوني، هل صلواتي بالتيمم صحيحة؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ذكرنا في جواب سابق حكم المسح على العضو المغطى بجبيرة أو لفافة طبية أو لصقات جروح، وقلنا هناك: إن العضو المغطى بشيء مما ذكرنا ونحوه يُمسح عليه إذا أمكن ذلك من غير ضرر سواء في الوضوء والغسل، وأما إذا كان العضو غير مغطى فإنه يُغسل إذا أمكن، وإذا لم يمكن لترتب ضرر بزيادة الألم أو المرض أو بتأخير بُرئه : فإنه يمسحه بالماء، فإذا لم يستطع هذا ولا ذاك: فإنه يغسل الأعضاء التي يقدر عليها – في الوضوء والغسل – ويتيمم بعد انتهاء طهارته بالماء عن ذلك العضو؛ حيث لم يصله الماء.
وعليه: فالواجب عليك عند الاغتسال أن تغسل الأعضاء الظاهرة بالماء، وتمسح بالماء على الجبيرة؛ لتكون طاهرًا من الجنابة أو مؤديًّا للغسل الواجب أو المستحب، ولا داعي للتيمم عن الجزء من بدنك الذي عليه الجبيرة.
ثانيًا:
وحيث أنه جاء في سؤالك وجود مشقة عليه في الذهاب للحمَّام للاغتسال: فإنه لا حرج عليك من التيمم؛ حيث أن التيمم يقع بدلًا عن الغسل بالماء في أحوال مخصوصة هي أعذار شرعية تتعلق أحيانًا بالماء كأن يكون باردًا ولا يوجد ما يُسخن به، وكأن يكون مفقودًا, أو غير مقدور على الوصول إليه، وأحيانًا تتعلق الأعذار بالمسلم نفسه حتى مع وجود الماء، كأن يكون مريضًا يؤثر الماء في بدنه، أو يكون عاجزًا عن الوصول إلى الماء بحبس أو تقييد أو مرض، وكل عذر يتعذر على المسلم استعمال الماء للغسل والوضوء فإنه يتيمم، وقد نصَّ الله تعالى على المرض عذرًا في التيمم لمن وجب عليه الاغتسال، فقال ( وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ) النساء/ 43.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
أما المرض المبيح للتيمم: فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فواتُ عضو أو شَيْنه أو تطويل البُرء. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 313 ).
وعدم قدرتك – أخي السائل – على الذهاب إلى دورة المياه للاغتسال، وعدم وجود من يساعدك على الوصول إليها أو يساعدك على الغسل: كلُّ ذلك يعدُّ من الأعذار المبيحة للتيمم، فما تستطيعه: يجب عليك، كأن يكون لك زوجة تُحضر لك الماء للغسل أو توصلك لدورة المياه وتعينك على الاغتسال، وما لا تستطيعه أو يشق عليك مشقة شديدة، كأن تكون في مستشفى أو تكون غير قادر على التحرك، أو ليس ثمة من يساعدك على الاغتسال: فإنك لا تكلَّف بالغسل، ويكون التيمم هو الواجب عليك.
* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
الذي لا يستطيع التطهر بالماء نهائيًّا، أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة ولا يجد من يساعده: لا بأس أن يتيمم بالتراب؛ لقوله تعالى ( وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ ) النساء/ 43، والمائدة/ 6، حيث ذكر سبحانه وتعالى من جملة الأعذار المبيحة للتيمم: المرض، قال تعالى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16 . ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 5 / 23 ).
* وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:
فتاة نوِّمت في المستشفى عدة أيام لإجراء عملية لها، وتقول: دخلت المستشفى وأنا لا أصلي لأنه عليَّ العادة الشهرية، ثم انقطعت وأنا في المستشفى ولا أستطيع الغسل في المستشفى، فكيف أصنع؟ هل يكفي أن أنوي بقلبي الغسل أم ماذا؟ أفيدونا.
فأجاب:
هي معذورة ما دامت تحت العملية، أو على سرير المرض لا تقدر على الاغتسال، فيكفيها التيمم بالتراب أو على السرير إن لم تجد ترابًا كما تتيمم لرفع الحدث الأصغر، وهو الوضوء إن عجزت عنه، فإن قدرت على دخول الحمام وإغلاقه عليها: لزمها الاغتسال؛ لتمكنها من ذلك بدون مشقة، أما إذا لم تستطع الوصول إلى الحمام لأجل العملية ولازمت السرير: فإن التيمم يجزئها للمشقة. انتهى.
وعليه: فلا حرج عليك من التيمم، وصلاتك التي حصلت به صحيحة من هذه الجهة، ولا تُعدها، ولا يلزمك الغسل بالماء مع وجود عجز عن الذهاب لدورة المياه، أو مع عدم وجود من يساعدك على الاغتسال.
ونسأل الله تعالى أن يمنَّ عليك بالشفاء العاجل، وأن يصبِّرك على ما ابتلاك به، ونوصيك باستثمار وقتك بقراءة وحفظ القرآن، وبطلب العلم قراءةً واستماعًا للنافع المفيد، راجين الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى.
والله أعلم.


