حكم إخفاء خطورة المرض على المريض وحكم رفض العلاج الكيميائي للمصاب بالسرطان
السؤال
عندي والدي مصاب بسرطان في جميع جسمه، وأنا أخفيت عنه ذلك من أجل نفسيته، وكذلك رفضت الكيماوي والإشعاع، هل هذا يجوز؟ لأنه ما ينفع في حالته.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
اختلف العلماء والباحثون في مسألة إخبار الطبيب – أو الأهل – المريض بطبيعة مرضه الخطير وحقيقته، وقد ذهبت طائفة منهم إلى وجوب مصارحته بمرضه، وذكروا لذلك أسبابًا منها: عدم نزع الثقة بالطبيب عندما يعلم بمرضه من غيره، ومنها: أن يتسنى له التوبة من التقصير والإكثار من ذكر الله تعالى، ومنها أن يُرجع الحقوق إلى أهلها وأن يكتب وصيته.
وأما الذين منعوا من إخباره فقد قالوا: إن من شأن إخباره بحقيقة مرضه أن يؤدي – غالبًا – إلى تأثر نفسيته مما قد يسبب له زيادة في المرض وعدم فعالية العلاج بسبب ذلك التأثر.
والقول الصحيح المختار عندنا في هذا: أن نحث الطبيب – أو أهل المريض – على وصية المريض برفق ولين وحكمة بالتوبة وكتابة الوصية، وأن يُخبر بأن هذا واجب على الأصحاء في الأصل، وأن يوصى بالإكثار من ذِكر الله ليكون ذلك سببًا في شفائه أو تخفيف آلامه، ولا بأس من التورية عليه أو إخفاء حقيقة مرضه عنه، وبذلك نجمع بين محاسن إظهار مرضه له وبين تجنب مساوئ إخفاء مرضه عنه.
وعليه: فإخفاؤك حقيقة مرض والدك عنه أمرٌ لا حرج فيه، لكن مع تنبيهك لضرورة تذكيره بالله تعالى وبالتوبة وبكتابة الوصية بالطريقة الملائمة حتى تجمعوا بين عدم تضييع فرصة بقائه على قيد الحياة ليأتي بما أوجبه الله عليه وليتزود من الطاعات، وبين عدم تأثره لو أُخبر بحقيقة مرضه.
ثانيًا:
يجب على الطبيب وأهل المريض عدم قطع الثقة بالله تعالى في شفاء المرضى، وليس ثمة داء ليس له دواء، ويجب القطع بأن الله تعالى على كل شيء قدير، وأنه تعالى ما أنزل داء إلا وله دواء كما روى عَبْد اللَّه بن مسعود عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ) رواه أحمد ( 7 / 38 ) وصححه المحققون، ومِن شأن اعتقاد الطبيب وأهل المريض بهذا الأمر أن يقووا جانب ثقة المريض بربِّه تعالى، وأن يساهموا في إبقاء شيءٍ من الأمل في نفسه أن يشفيه الله ويعافيه، وهذا معين للمريض في دفع كثير من الأدواء.
وقد جاء في قرارٍ لـ ” مجلس مجمع الفقه الإسلامي ” ما نصُّه:
ثانيًا: علاج الحالات الميؤوس منها:
أ. مما تقتضيه عقيدة المسلم: أن المرض والشفاء بيد الله عز وجل، وأن التداوي والعلاج أخذٌ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون، وأنه لا يجوز اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله.
وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايته وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه.
ب. إن ما يعتبر حالة ميؤوساً من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء وإمكانات الطب المتاحة في كل زمان ومكان وتبعاً لظروف المرضى.
انتهى من ” مجلة المجمع ” ( ع 7 ، ج3 ص 563 ).
ومع كون مرض السرطان المنتشر في الجسم مما يعد من الأمراض التي لا دواء لها: فلا يمنعنكم هذا من استعمال الرقية الشرعية في العلاج، واستعمال العسل وماء زمزم وبول الإبل فلعل ذلك أن يكون نافعًا لوالدكم لشفائه إن شاء الله ذلك.
ثالثًا:
وأما بخصوص رفضك لعلاج والدك بالدواء الكيميائي أو بالإشعاع: فلا حرج عليك في ذلك لأن تناول هذا العلاج ليس بواجب مع انتشار المرض في أنحاء جسمه، ولعلَّه يكون واجبًا لو كان المرض في أوله وقُطع بنفع العلاج بشيء مما ذكرتَ، والأمر كله راجع لحكم التداوي، والصواب في حكمه: أنه تجري فيه الأحكام الخمسة، وأن حكمه يختلف باختلاف المرض والمريض، ولعلّ الأصل هو القول باستحبابه، ولا يجب تناول الدواء إلا إذا عُلم أو غلب على الظن نفع العلاج مع احتمال الهلاك إن لم يتناوله، ومرجع تحديد هذا أهلُ الخبرة من أهل الطب، والذي نعلمه من كلام أهل الطب أنهم يفرِّقون بين السرطان في أوله وبينه منتشرًا في البدن، وأنه في الحالة الأولى يمكن القضاء عليه بالكيماوي، وليس كذلك في الحالة الثانية، فيكون أخذ الكيماوي في الحال الأولى واجباً لئلّا ينتشر فيسبب الهلاك، وليس واجباً في الحال الثانية.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وقال بعض العلماء: إنه يجب التداوي إذا ظُن نفعه.
والصحيح: أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: السرطان الموضعي، فالسرطان الموضعي – بإذن الله – إذا قطع الموضع الذي فيه السرطان: فإنه ينجو منه، لكن إذا تُرك: انتشر في البدن وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواء معلوم النفع؛ لأنه موضعي يقطع ويزول، وقد خَرَّبَ الخَضِرُ السفينةَ بخرقها لإِنجاء جميعها، فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك واجبًا.
وعلى هذا فالأقرب أن يقال: أن ما عُلم أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه: فهو واجب.” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 5 / 234 ) مختصرًا.
ونسأل الله تعالى أن يشفي والدك وأن يصبِّره وأن يكتب له الأجر كاملًا، كما نوصيك -وباقي أهلك – بالإحسان إليه والعناية به نفسيًّا وبدنيًّا، ونسأل الله أن يوفقكم لما فيه خير دينه ودنياه.
والله أعلم.


