هل المنتحر يخلَّد في جهنم إلى الأبد؟ وكيف نوجِّه النصوص الواردة أنه كذلك؟

السؤال

قرأنا في فتوى على موقعكم بعنوان ” شرح معنى مائلات مميلات ” للشيخ ابن باز – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – أن قاتل نفسه لا يكون خلوده في النار مثل خلود الكفار بل هو خلود له نهاية عند أهل السنة والجماعة.

سؤالنا أكرمكم الله هو: على ماذا استند علماء أهل السنة رحمهم الله في هذا القول؟ ونحن عندنا حديثه صلى الله عليه وسلم ( مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) – متفق عليه من حديث أبي هريرة -، وكذلك حديث (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) – متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله -، أفيدونا يرحمكم الله.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

منهج أهل السنَّة والجماعة في فهم النصوص الشرعية أنهم يجمعونها في سياق واحد، فما كان منها مطلَقا له ما يقيِّده أخذوا بالمقيِّد، وما كان فيها من عموم له ما يخصصه قدَّموا التخصيص على العموم، وكذا يقدون الناسخ على المنسوخ، ويأخذون بالصحيح من الأحاديث دون الضعيف، والأهم في هذا الباب: أنهم يردون المتشابه من النصوص إلى المحكم منها، ولم تقع الفرق الضالة – في مجملها – بما وقعت فيه من مخالفة للحق والصواب في الاعتقاد إلا لأنها نظرت إلى الأدلة بعين واحدة فأخذت ببعض النصوص وأعمت بصرها عن الأخرى، فنتج لنا الخوارج وقابلهم المرجئة، ونتج القدرية وقابلهم الجبرية، وهكذا.

ثانيًا:

والمسألة التي ذكرتها – أخي الفاضل – هي من المسائل الجليلة وهي واضحة المعالم في منهج أهل السنَّة والجماعة في فهم نصوص الوحي، وعماد ذلك: أنه لا يكفر عند أهل السنَّة كفرًا مخرجًا من الإسلام ويستحق الخلود في جهنَّم إلا من جاء بما ينقض إسلامه باعتقاد أو قول أو فعل، وليس من ذلك فعله لمعاصٍ وذنوب يأثم بفعلها، أو يترتب عليه بفعلها حد أو كفارة، ولا ينقض بفعلها إسلامه وتوحيده، إلا أن يستحلَّ فعلها فيكفر بذلك حتى لو يفعلها.

وبالتأمل في النصوص المحكمة تجد أن قتل المسلم لنفسه لا يُخرجه عن كونه آثماً بفعله، ويستحق الوعيد بالنار، وفعله هذا ليس من نواقض الإسلام عند أحدٍ من علماء الإسلام من أهل السنَّة ولذا فلن يخلد في النار لمجرد فعله هذا كخلود فرعون وأبي لهب، ومما يدل على ذلك أمور، منها:

  1. النصوص المحكمة في أن المسلم إذا لقي الله تعالى بكل ذنب خلا الشرك الأكبر فإن ذنوبه قابلة للعفو عنها ومحو أثر بفضل الله تعالى ورحمته، مهما بلغت هذه الذنوب كثرة وعظمة، وقد نصَّ الله تعالى على ذلك بقوله ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) النساء/ 48، ولا شك أن قتل الإنسان لنفسه داخل فيما يمكن أن يغفره الله تعالى، وليس هو من الشرك عند أحدٍ من أئمة الإسلام.

* قال الإمام ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة: ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركاً بالله. ” التفسير ” ( 5 / 126 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 291 ، 292 ):

لم يقل بكفر المنتحر أحد من علماء المذاهب الأربعة؛ لأن الكفر هو الإنكار والخروج عن دين الإسلام، وصاحب الكبيرة – غير الشرك – لا يخرج عن الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وقد صحت الروايات أن العصاة من أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون. انتهى.

  1. الواقع العملي لقاتل نفسه في الشرع المطهَّر: أنه يغسَّل ويصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، ويورَّث، ولو كان بفعله ذاك كافرًا فإنه لا تجري عليه أحكام الإسلام السابقة .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 292 ):

صرح الفقهاء في أكثر من موضع بأن المنتحر لا يخرج عن الإسلام، ولهذا قالوا بغسله والصلاة عليه كما سيأتي، والكافر لا يصلى عليه إجماعاً، ذكر في ” الفتاوى الخانية “: المسلم إذا قتل نفسه في قول أبي حنيفة ومحمد يغسل ويصلَّى عليه.

وهذا صريح في أن قاتل نفسه لا يخرج عن الإسلام، كما وصفه الزيلعي وابن عابدين بأنه فاسق كسائر فساق المسلمين، كذلك نصوص الشافعية تدل على عدم كفر المنتحر. انتهى.

ولا يرِد على هذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه؛ لأن هذا الترك ليس لأنه كافر خارج من ملة الإسلام بل هو لبيان تغليظ فعله، وليعتبر الأحياء بهذا، ومثله ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة – في أول الأمر – على المدين للأسباب نفسها، ولذا فإنه يشرع لخاصة الناس ترك الصلاة على قاتل نفسه -المنتحر – كما تركها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ترك الصلاة عليه بالكلية، بل يُصلَّى عليه، ويُدعى له بالرحمة.

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ الله عنْه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. رواه مسلم ( 978 ) ،  وراه الترمذي ( 1068 )، وقال – بعده-:

واختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: يصلَّى على كل مَن صلَّى إلى القبلة وعلى قاتل النفس وهو قول الثوري وإسحق، وقال أحمد: لا يصلِّي الإمام على قاتل النفس ويصلِّي عليه غير الإمام .انتهى.

* قال أبو حفص بن شاهين – رحمه الله -:

وهذه الأحاديث التي ذُكر فيها امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على هؤلاء ليس أنه لا تجوز الصلاة عليهم، وإنما هو تغليظ من النبي صلى الله عليه وسلم ليُري الأحياء عِظَم الجنايات، والدليل على ما قلناه: قول النبي صلى الله عليه وسلم (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُم ) فلو لم يجز الصلاة عليه لما أمرهم بالصلاة عليه، ….

وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي الإمامُ على قاتل نفسه ولا على غالٍّ، ويصلِّي الناس عليه، وكذا قال مالك بن أنس: المقتول في القوَد يصلِّي عليه أهله غير أن الإمام لا يصلِّي علي .” ناسخ الحديث ومنسوخه ” ( ص 315 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

المَشاقص: سهام عِراض واحدها مِشقَص بكسر الميم وفتح القاف.

وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلِّى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يصلَّى عليه، وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله وصلَّت عليه الصحابة. ” شرح مسلم ” ( 7 / 47 ).

العزيز والأوزاعي – فإن الأمر عندهم ليس لكونه كافرًا بل الأمر كما نقله النووي عنهم أنه ” لعصيانه “، ولا نعلم أحدًا من أهل السنَّة يقول بأنه المنتحر قد خرج بفعله من ملَّة الإسلام.

ثالثًا:

وإذا تبيَّن لك صحة وقوة ما سبق في منهج أهل السنَّة والجماعة واعتقادهم هان عليك الأمر بعده، وسهل عليك الخروج من الإشكالات التي أوردتها، فالمحكم من النصوص والقطعي من الأحكام: أن المنتحر ليس يخرج من الإسلام بمجرد فعله، وعليه: فإن الخلود الذي ورد في حديث أبي هريرة ليس هو الخلود الذي للمشركين والمنافقين والكفار، وإن تحريم الجنة الذي ورد في حديث جندب ليس هو تحريمها على أبي لهب وأبي جهل، وإن لكل واحدة من اللفظين من التأويل ما يناسب مقام سياقها وفيمن وردت فيه، وهذا هو منهج أهل السنَّة المحكم في فهم النصوص، كما سبق في أول الجواب، وبيان ذلك:

  1. أن يقال إن ” الخلود ” خلودان: خلود مؤبَّد توعَّد الله تعالى به أهل الكفر والشرك والنفاق، وخلود مؤمَّد توعَّد الله تعالى به أهل الكبائر من المسلمين.

* قال الشيخ عبد العزيز الراجحي – حفظه الله -:

معنى ” الخلود ” عند أهل السنة والجماعة في قوله تعالى ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ) المكث الطويل، فالخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا خلود الكفرة، والثاني: خلود مؤمَّد له أمد ونهاية، وهذا خلود عصاة الموحدين، وقد يطول مكث بعض العصاة لشدة وعظم جريمته كالقاتل وغيره، قد يطول، لكنه له نهاية ما دام على التوحيد والإيمان: فلا يخلد في النار. ” أجوبة مفيدة عن أسئلة عديدة ” ( ص 18 ) – ترقيم الشاملة -.

  1. وأما قوله صلى الله عليه وسلم عن ربِّه تعالى في حق قاتل نفسه ( حَرَّمْتُ عليه الجَنَّة ) فهو من الباب نفسه، فالتحريم تحريمان: تحريم مؤبَّد وهو تحريم الجنة على الكفار والمشركين والمنفقين فلا يدخلونها البتة، وتحريم مؤمَّد وهو تحريمها على العصاة من المؤمنين مع أول الداخلين، فهو تحريم لفترة من الوقت ثم يدخلونها وتكون مستقرًّا لهم، وقيل: إن المحرَّم هو جنَّة أرفع وأعلى من التي دخلها، وقيل إن التحريم هو تحريم مؤبَّد لكنه ليس لمجرد قتله نفسه بل لاستحلاله لذلك الفعل، وقيل إن هذا هو حكم المنتحر ما لم يتحقق عنده مانع من الخلود الأبدي ولا شك أن التوحيد هو يمنع من ذلك الخلود، وكل هذه التأويلات عند أهل السنَّة لا يهم ما يرجحه الباحث منها؛ لأن المهم هو أن مجرد المعصية بقتله نفسه لا تخرجه من ملة الإسلام وات توجب له الخلود الأبدي في النار كخلود الكفار والمنافقين والمشركين.

وهذا الوعيد لأولئك المسلمين المنتحرين لا شك أنه مما يمكن تخلف إيقاعه بفضل من الله تعالى ورحمة؛ وقد سبق في أول الكلام أن الذنوب كلها مما كان دون الشرك قابل لأن يغفره الله لعبده المذنب ويتجاوز عنه.

وكل ما قلناه في معنى الحديث ليتوافق مع المحكم من النصوص قاله أهل السنَّة خلافًا للخوارج الذين يرون أن قاتل نفسه مختوم له بكبيرة تخلِّده في النار.

* قال ابن خزيمة – رحمه الله -:

كلُّ وعيد في الكتاب والسنَّة لأهل التوحيد: فإنما هو على شريطة، أي: إلا أن يشاء الله أن يغفر ويصفح ويتكرم ويتفضل فلا يعذب على ارتكاب تلك الخطيئة؛ إذ الله عز وجل قد خبر في محكم كتابه أنه قد يشاء أن يغفر ما دون الشرك من الذنوب في قوله ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ).” كتاب التوحيد “(2/869).

* وقال ابن حبَّان – رحمه الله -:

هذه الأخبار كلها معناها: لا يدخل الجنَّة، يريد: جنَّة دون جنَّة، القصد منه: الجنة التي هي أعلى وأرفع، يريد: مَن فعل هذه الخصال أو ارتكب شيئًا منها: حرَّم الله عليه الجنَّة أو لا يدخل الجنة التي هي أرفع، التي يدخلها مَن لم يرتكب تلك الخصال؛ لأن الدرجات في الجنان ينالها المرء بالطاعات وحطّه عنها يكون بالمعاصي التي ارتكبها.” صحيح ابن حبان ” ( 11 / 240 ).

* وقال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:

قوله ( حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةً ) فيتعلق به مَن يرى بوعيد الأبد، وهو مؤول عند غيرهم على تحريم الجنة بحالة مخصوصة، كالتخصيص بزمن، كما يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين، أو يحملونه على فِعل ذلك مستحلاًّ فيكفر به ويكون مخلدًا بكفره لا بقتله نفسه.” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 437 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة