حكم الاستفتاح بالمصحف، أو الفأل من المصحف

السؤال

كنت في فترة من الفترات في مشكلة ما، وأشارت عليَّ إحدى صديقاتي بطريقة للحصول على راحة البال، ولكي ينير الله طريقي بها وهي: أن أمسك المصحف وأقول – مثلا – ” اللهم أرني من آياتك ما يريح قلبي، ويريحني، وينير بصيرتي في مشكلتي ” واذكر المشكلة، وبعدها: افتح المصحف عشوائيًّا، وسبحان الله عند فتحي للمصحف تقع عيني على آية تتكلم عن أحد في مشكلتي، أو مرة أخرى يطمئني بها الله في مشكلتي، وكانت إحدى صديقاتي مكتئبة، وحزينة، وهي – للأسف – لا تصلي بانتظام، وهي – للأسف – بعيدة عن الله – الله يهديها، ويصلح حالنا، وحالها -، وأشرت عليها بهذه الطريقة، وعندما فعلت: فتح لها المصحف على سورة ” المؤمنون ” في بدايتها، فقلت لها: إنها صفات المؤمنين، وإن الله يقول لكِ أن تلتزمي بالصلاة، وعدم سماع الأغاني التي لا تفارقها ( والذين هم عن اللغو معرضون )، وفي مرة أخرى فعلتها ليلة امتحان ” تاريخ “، وفتح لها على سورة ” الروم “، وجاء أول سؤال في الامتحان ساعتها عن ” الحضارة الرومانية “، ففرحت، وأشارت لصديقتها على هذه الطريقة لأنها كانت هي الأخرى في مشكلة، والله أعلم إذا كانت هذه بدعة أم لا، وأنا خائفة من هذا.

أفيدوني أفادكم الله، وجزاكم الله عن المسلمين كل خير، وأرجو سرعة الرد، أو تحديد موعد الرد.

الجواب

الحمد لله

يسوِّل الشيطان المسلم أشياء وأفعال، ويزينها له ليعتقد صحتها وصوابها وعدم مخالفتها لشرع الله تعالى، ويكون ذلك باستعمال وسائل يظنها الجاهل أنها موافقة لشرع الله تعالى، وأنها مخالفة لما كان عليه الجاهليون، ومن ذلك ما جاء في السؤال، وهو ما يسميه بعض أهل العلم ” الاستخارة بالمصحف ” أو ” الفأل من المصحف “، فيظن هذا المسكين أن استبداله أوراق المصحف، وآياته بأقداح الجاهلية أن ذلك جاعل فعله شرعيًّا! ولا فرق بين الاثنين في واقع الأمر، فالجاهلي كان يعزم السفر، أو التجارة، أو الزواج بحسب ما يخرج له من قدح كتب فيه ” افعل ” و ” لا تفعل ” وثالث خالٍ من الكتابة، وهذا المسلم العامي الذي سوَّل له الشيطان فعله جعل أوراق المصحف، أو آياته، بدلاً من تلك الأقداح، وجعل ما يظهر له من آيات علامة على صحة فعله، أو فساده، أو أنه يمضي في فعله، أو لا يمضي، وهو أمر محرَّم، ومبتدع، وهو داخل في الاستقسام بالأزلام، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) [ المائدة / من الآية 3 ] ، وما نقل عن ابن بطة من الجواز فينبغي التحقق من إسناده، وإن صح فلا عبرة فيه؛ لأنه شاذ، وفي ” مطالب أولي النهى ” للرحيباني الحنبلي ( 1 / 159 ):

( واستفتاح الفأل فيه ) – أي: المصحف – ( فَعَلَه ) أبو عبيد الله ( ابن بطه ) – بفتح الباء – ( ولم يره ) الشيخ تقي الدين – أي: ابن تيمية – ولا ( غيره ) من أئمتنا. انتهى.

  1. قال أبو بكر بن العربي – رحمه الله -:

قوله تعالى: { وأن تستقسموا بالأزلام } معناه: تطلبوا ما قسم لكم، وجعله من حظوظكم وآمالكم ومنافعكم، وهو محرم فسق ممن فعله فإنه تعرض لعلم الغيب، ولا يجوز لأحد من خلق الله أن يتعرض للغيب ولا يطلبه; فإن الله سبحانه قد رفعه بعد نبيه إلا في الرؤيا. فإن قيل: فهل يجوز طلب ذلك في المصحف. قلنا: لا يجوز فإنه لم يكن المصحف ليعلم به الغيب; إنما بينت آياته، ورسمت كلماته ليمنع عن الغيب; فلا تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدكم له. ” أحكام القرآن ” ( 3 / 38 ).

  1. وقال القرافي – رحمه الله -:

وأما الفأل الحرام: فقد قال ” الطرطوشي ” في تعليقه: إنَّ أخْذَ الفأل من المصحف، وضرب الرمل، والقرعة، والضرب بالشعير، وجميع هذا النوع: حرام; لأنه من باب الاستقسام بالأزلام. ” أنوار البروق في أنواع الفروق ” ( 4 / 240 ).

  1. وقال شهاب الدين محمود الآلوسي – رحمه الله -:

والحق عندي: أن الاستقسام الذي كان يفعله أهل الجاهلية: حرام بلا شبهة، كما هو نص الكتاب، وأن حرمته ناشئة من سوء الاعتقاد، وأنه لا يخلو عن تشاؤم، وليس بتفاؤل محض، وإن مثل ذلك ليس من الدخول في علم الغيب أصلا، بل هو من باب الدخول في الظن، وأن الاستخارة بالقرآن مما لم يرد فيها شيء يعول عليه عن الصدر الأول، وتركها أحب إليَّ، لا سيما وقد أغنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها بما سنَّ من الاستخارة الثابتة في غير ما خبر صحيح.

” تفسير الآلوسي ” ( 3 / 59 ).

  1. وقال الشيخ حافظ حكمي – رحمه الله -:

ومن البدع الذميمة، والمحدثات الوخيمة: مأخذ الفأل من المصحف؛ فإنه من اتخاذ آيات الله هزوا ولعبا ولهوا، ساء ما يعملون، وما أدري كيف حال من فتح على قوله تعالى: ( لُعِنَ الذينَ كفَروا مِنْ بَنِي إسرائيلَ ) [ المائدة / من الآية 78 ] ، وقوله ( وغضب الله عليه ولعنه ) [ النساء / من الآية 93 ] ، وأمثال هذه الآيات، ويروى أن أول من أحدث هذه البدعة: بعض المروانية، وأنه تفاءل يوماً ففتح المصحف، فاتفق لاستفتاحه قول الله عز وجل: ( وَاسْتَفْتَحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) [ إبراهيم / الآية 15 ] الآيات، فيقال: إنه أحرق المصحف غضبا من ذلك، وقال أبياتا لا نسود بها الأوراق.

والمقصود: أن هذه بدعة قبيحة، والفأل إذا قصده المتفائل فهو طيرة، كالاستقسام بالأزلام. ” معارج القبول ” ( 3 / 993 ).

  1. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ومراده بالفأل: الفأل المكتسب، كأن يريد إنسان التزوج، أو السفر مثلا، فيخرج ليسمع ما يفهم منه الإقدام أو الإحجام.

ويدخل فيه: النظر في المصحف لذلك، ولا يخفى أن ذلك من نوع الاستقسام بالأزلام. ” أضواء البيان ” ( 4 / 49 ).

  1. قال الشيخ محمد الخضر حسين – رحمه الله -:

وكان العرب في جاهليتهم يستقسمون بالأزلام، ذلك أنهم كانوا يتخذون ثلاثة أقداح يكتبون على واحدٍ منها ” افعل “، وعلى الثاني ” لا تفعل “، ويتركون الثالث غفلاً، فإذا أراد أحدهم أمراً يهمه من نحو: سفرٍ، أو نكاحٍ، أو تجارة: أجال هذه الأقداح، فإن خرج له قدح الأمر: فَعَل، وإن خرج له قدح النهي: ترك، وإن خرج له القدح غفلاً: أجال الأقداح مرة ثانية.

ومن أثر هذا التخيل الفاسد: أن الرجل قد يترك العمل وفيه خيرٌ كثير، أو يقدم على عملٍ وفيه شرٌ عظيم، وكان هذا التخيل مما تناولته الدعوة المحمدية، وجاء النهي عنه في القرآن المجيد، ووضعت السنة الغراء مكانه الاستخارة الشرعية, والاستشارة.

وإبطال الشريعة للأزلام يجري حكمه في كل ما يتخذ وسيلةً للاطلاع على عواقب الأمور من غير طرقه الشرعية، أو العلمية، مثل: الاستخارة بالمصحف، أو السبحة، ونحوها، فكل هذا – ما عدا الاستخارة الشرعية -: بدعة، لا يجوز التعلق بها.

مقال ” قضاء البعثة المحمدية على المزاعم الباطلة “، المنشور في ” مجلة الهداية الإسلامية ” الجزء العاشر من المجلد العاشر، الصادر في ربيع الثاني 1357 – 1938 .

بواسطة موقع ” دعوة الإسلام ” بإشراف الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد.

وبه يتبين للمنصف أن هذا الفعل محرَّم، ولا يجوز اعتقاده، ولا فعله، ولعل ما يُروى عن الشافعية المتقدمين من القول بالكراهة يُحمل على الكراهة التحريمية، كما هو الحال في اصطلاح الأئمة المتقدمين، وبذلك تتفق كلمة العلماء على حرمة الفأل من المصحف، أو الاستخارة، أو الاستفتاح به، وأنه بدعة ضلالة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة