” العارف بالله ” بين أهل السنَّة وأهل البدعة، وحكم دعاء: ” فتح الله عليك فتوح العارفين “
السؤال
يستخدم كثير من الناس هذه العبارة: ” فتح الله عليك فتوح العارفين “! فهل هذه العبارة صحيحة؟ ومن هو العارف بالله؟ وهل هذه الكلمة صوفية؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
مصطلح ” العارف ” أو ” العارف بالله ” يراد به تزكية صاحبه، والشهادة له بالمعرفة، والمنزلة الرفيعة، ويختلف معنى تلك المعرفة بالله بحسب مستعمله، وبحسب من أُطلقت عليه تلك العبارة، مع الاعتراف بأن أكثر من يستعملها هم الصوفية.
وعليه: فهذا اللقب إن أطلقه سنِّي: فالمراد به المعرفة بالله المؤصلة على الكتاب والسنَّة، وظهور أثر تلك المعرفة على صاحبها من العبادة، والخشية، مع العلم بالأحكام الشرعية، وليس الأمر كذلك عندما يُطلَق ذلك اللقب من صوفيٍّ؛ لأن ذلك اللقب لا يُطلق عندهم على عالِم بالأحكام الشرعية، فقد يكون من يُطلق عليه غاية في الجهل، بل والضلال والزندقة، والمهم عندهم أنه محقِّق لعقائد التصوف البالية.
ثانيا:
وتفصيل ذلك يكون بمعرفة حقيقة ” معرفة الله ” عند أهل السنَّة والجماعة، وعند أهل البدعة والضلالة.
- ” العارف بالله ” عند أهل السنَّة:
أ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والعبد العارف بالله تتحد إرادته بإرادة الله، بحيث لا يريد إلا ما يريده الله، أمراً به، ورضا، ولا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا يلتفت إلى عذل العاذلين، ولوم اللائمين، كما قال سبحانه: ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم )، والكلام في مقامات العارفين طويل، وإنما الغرض: أن يتفطن المؤمن للفرق بين هؤلاء الزنادقة الذين ضاهوا النصارى، وسلكوا سبيل أهل ” الحلول والاتحاد “، وكذبوا على الله ورسوله، وكذَّبوا الله ورسوله، وبين العالِمين بالله، والمحبين له، أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإنه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء، كما اشتَبه على كثير من الضالين حال مسيلمة الكذاب المتنبئ بمحمد بن عبد الله رسول الله حقًّا، حتى صدَّقوا الكاذب، وكذَّبوا الصادق، والله قد جعل على الحق آيات، وعلامات، وبراهين، ومَن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 77 ).
ب. وقال الشيخ عبد العزيز السلمان – رحمه الله -:
إنَّ الناس في هذا الزمن لم يعرفوا ربَّهم المعرفة التي تليق بجلاله، وعظمته، ولو عرفوه حق المعرفة: لم يكونوا بهذه الحال؛ لأنه مَن كان بالله أعرف: كان منه أخوف.
إن العارف بالله يخشاه، فتعقله هذه الخشية بإذن الله عما لا ينبغي من الأقوال، والأفعال، قال الله تعالى: ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ، العارف بالله لا يجرؤ أن يحرَّك لسانه بكلمة من المنكرات، أفعال، أو أقوال، كالغيبة، والنميمة، والكذب، والقذف، والفسق، والسخرية، والاستهزاء، ونحو ذلك، ولا يستعمل عضوا من أعضائه في عملٍ ليس بحلال، بل يكف بصرَه، وسمعَه، ويدَه، ورِجله عن المحرمات؛ لأنه يؤمن حق الإيمان بأن الله جل وعلا مهما تخفَّى وتستَّر العبدُ عنه: فإنه يراه .
والعارف بالله لا ينطوي على رذيلة، كالكِبر، والحقد، والحسد، وسوء الظن، وغير ذلك من الرذائل الممقوتات؛ لأنه يصدِّق أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، وأنه يعلم ما تكنُّه الصدور، كما يعلم العلانية، فلا يستريح العارف حتى يكون باطنه كظاهره، مطهَّراً من كل فحشاء، وكذلك لا تسمع من فم العارف عند نزول المصائب والبلايا والشدائد إلا الحَسَن الجميل، فلا يغضب لموت عزيزٍ، أو فقْدِ مالٍ، أو مرضٍ شديدٍ طويلٍ؛ لأنه يعلم أن غضبه، وتسخطه، يفوِّت عليه أجرَه، ولا يرد ما فات كما قيل :
لا تلق وقتك إلا غير مكترث … مادام يصحب فيه روحك البدن
فما يدوم سرور ما سررت به … ولا يرد عليك الفائت الحزن
ولا ييأس العارف من زوال شدة مهما استحكمت، فإن الفرج بيد الله الذي قال – وقوله الحق -: ( فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا )، ولا ييأس من حصول خيرٍ مهما سما وابتعد؛ لأنه يؤمن أن الأمر بيد مَن إذا أراد شيئا قال له: كُنْ فكان، وإن بدا محالا في نظر الجهلاء، ولا يقنط العارف، ولا يقنِّط مؤمنا من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وإن كانت ذنوبه أمثال الجبال، والرمال، ولا يؤمِّن العارف مستقيماً من العذاب مهما كان العمل من الصالحات؛ لأنه يغفر الذنوب جميعاً، وأنه له الحجة البالغة، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه جل وعلا، فلا تغفل عن ذلك، وإن أهمله الكثير من الناس.
قال أحد العلماء: الغموم ثلاثة: غم الطاعة أن لا تقبل، وغم المعصية أن لا تغفر، وغم المعرفة أن تُسلب .
عليك من الأمور بما يؤدي … إلى سنن السلامة والخلاص
وما ترجو النجاة به وشيكا … وفوزا يوم يؤخذ بالنواصي
فليس تنال عفو الله إلا … بتطهير النفوس من المعاصي
وبر المؤمنين بكل رفق … ونصح للأداني والأقاصي
وإن تشدد يدًا بالخير تفلح … وإن تعدل فما لك من مناص
آخر :
اغتنم في الفراغ فضل ركوع … فعسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيح رأيت من غير سقم … ذهبت نفسه العزيزة فلتة
” موارد الظمآن لدروس الزمان ” ( 1 / 452 ، 453 ).
فما أحلى هذه المعرفة، وما أطيبها، وما ألذَّ العيش بها ومعها، ومن دعا لغيره بأن يفتح الله عليه ما فتحه على أولئك العارفين: فقد دعا له بخير عميم، وفضائل كبيرة كثيرة.
- ” العارف بالله ” عنه أهل البدعة:
ونعني بهم غالبا: المتصوفة، حيث كثر استعمال ذلك المصطلح عندهم، وأطلقوه على كثيرٍ من الزنادقة، والملحدين، وجعلوا اللقب علامة على تحقيق ذلك، ومن نظر في ” طبقات الشعراني ” يتبين له صدق القول.
أ. قال ابن القيم – رحمه الله -:
ولهذا قال شيخ الملحدين ” ابن سينا ” في ” إشارته “: العارف لا يُنكر منكرا؛ لاستبصاره بسرِّ الله تعالى في القدَر!!.
وهذا كلام منسلخٍ من الملل، ومتابعة الرسل، وأعرَف خلق الله به: رسلُه، وأنبياؤُه، وهم أعظم الناس إنكاراً للمنكر، وإنما أرسلوا لإنكار المنكر.
فالعارف: أعظم النَّاس إنكارا للمنكر؛ لبصيرته بالأمر، والقدر؛ فإن الأَمْر يوجب عليه الإنكار، والقدَر يعينه عليه، وينفذه له، فيقوم في مقام ( إياك نعبد وإياك نستعين )، وفي مقام ( فاعبده وتوكل عليه ) فنعبده بأمْره وقدَره، ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره، فهذا حقيقة المعرفة، وصاحب هذا المقام هو: العارف بالله، وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم. ” شفاء العليل ” ( ص 14 ، 15 ).
ب. وقال الشيخ عبد الرؤوف القاسم – رحمه الله -:
كلنا نسمع بـ ” العارف بالله ” فلان، ونقرأ في الكتب عن ” العارف بالله ” علان، كما نرى مكتوباً على أبواب بيوت الأوثان المنتشرة في بلاد المسلمين طولاً وعرضاً: هذا مقام العارف بالله … .
وليس لهذه العبارة – ” العارف بالله ” – مدلول واضح في أذهان كثيرين! وإنما تبعث في النفوس صورا شاحبة لنوع ما من التزكية على الله، تزكية عريضة، وغامضة مبهمة، هذا هو الشعور الذي تبعثه هذه العبارة في الأكثرية من الناس، الذين يعطونها تفاسير انطباعية غير موضوعية، تتناسب مع هوى المفسِّر، ونفسيته، ومستواه العلمي.
فما هو معنى هذا المصطلح؟ وماذا يريدون به، وله، وفيه، ومنه، وعليه، وإليه، وعنه؟.
الجواب بكل بساطة: العارف بالله هو من عرف أن الله هو الكون! وأن كل ما نرى ونسمع ونحس، بما في ذلك أنا وأنت وهو وهي وهم وهن ونحن وأنتم وأنتن – ونسيت أن أذكر ” أنتما ” – وبما في ذلك الحيوانات، والحشرات، والنباتات، والجمادات، والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب … كل هؤلاء هم أجزاء من الله! مع العلم أن بعض القوم لا يجيزون أن يقال: ” أجزاء من الله “؛ لأن الله كلٌّ لا يتجزأ، إنه وحدة غير قابلة للتعدد، ولا للتجزؤ، ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ المؤمنون / من الآية 91 ]، فالعارف وبكل بساطة: هو من توصل إلى معرفة وحدة الوجود، بالذوق، والمشاهدة.
قال الجنيد: المعرفة: وجود جهلك عند قيام علمه، قيل له: زدنا، قال: هو العارف، وهو المعروف .
وسئل الجنيد أيضا عن العارف، فقال: لون الماء لون الإناء.
وسئل ذو النون عن نهاية العارف فقال: إذا كان كما كان حيث كان قبل أن يكون.
ويقول ابن عربي – الشيخ الأكبر -:
… فإن العارف: مَنْ يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء … .
ويقول عبد الكريم القشيري:
… وعند هؤلاء القوم: المعرفة: صفة مَن عرَف الحق سبحانه، بأسمائه، وصفاته … ثم تنقى عن أخلاقه الرديئة، وآفاته، ثم طال بالباب وقوفه، ودام بالقلب اعتكافه، فحظي من الله تعالى بجميل إقباله، وانقطع عن هواجس نفسه، ولم يُصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره، فإذا صار من الخلق أجنبيًّا، ومن آفات نفسه بريًّا، وصار محدَثا من قبل الحق سبحانه، بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره، يسمى عند ذلك: ” عارفا “!، وتسمَّى حالته: ” معرفة “.
ويورد القشيري أيضا في الرسالة:
قال ذو النون المصري: معاشرة العارف كمعاشرة الله تعالى! يحتملك، ويحلم عنك؛ تخلقًّا بأخلاق الله عز وجل … .
ومما يورده:
…قال الحسين بن منصور – أي: الحلاج -: إذا بلغ العبد إلى مقام المعرفة: أوحى الله تعالى إليه بخواطره، وحرسَ سرَّه أن يسنح فيه غير خاطر الحق.
ولو أراد باحث أن يجمع أقوالهم في العارف ومعنى المعرفة لاحتاج إلى مئات الصفحات. وفي القدر الذي مر كفاية لسد الطرق أمام مراوغاتهم، التي تخلو من الحياء، والمنطق، والعقل السليم، بل وتخلو من الخوف من الله!.
النتيجة:
من كل ما تقدم، ومما يمكن أن يملأ مئات الصفحات مما لم يتقدم، يظهر بوضوح تام أن معنى المعرفة عند القوم: هو معرفة وحدة الوجود، وأن العارف عندهم: هو الذي يعرف أن الكون هو الله ذوقاً واستشعاراً، أي يذوق الألوهية ويستشعرها ويحس بها ويتحقق بها.
” الكشف عن حقيقة الصوفية ” ( 295 – 305 ) باختصار.
فشتان شتان بين الوصفين، ولذا لم يُعرف إطلاق هذا اللقب على أئمة الهدى من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة، ومن بعدهم، ولم نعرفه يُطلق إلا على البدعة والضلالة، إلا نادرا، ممن أطلقه ولا يعرف معناه.
وأما على الحقيقة: فأولى الناس بهذا الوصف هم أئمة الهدى من أهل السنَّة والجماعة، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -.
* وفي تحقيق كتاب ” حجاب المرأة ” لابن تيمية ( ص 12 ) قال الشيخ الألباني – رحمه الله -: تلك هي بعض المسائل التي جاءت في طي هذه الرسالة القيمة، وفيها مسائل وفوائد أخرى ستمر بالقارئ إن شاء الله تعالى، وبمجموعها كانت الرسالة فريدة في بابها، لا مثيل لها بين أترابها، فإن غالبها ما تفردت به عن مثيلاتها ككتاب ” الحجاب ” للعلامة المودودي وكتابي ” حجاب المرأة المسلمة ” وغيرهما، فليعض عليها بالنواجذ، وليحمد الله تعالى أن جعله من قراء كتب ابن تيمية، المستفيدين منها؛ فإنه هو ” العارف بالله ” حقًّا، ومن نحا نحوه. انتهى.
وقال – أيضا – مثنياً على شيخ الإسلام ابن تيمية -:
هذا الرجل آية من آيات الله، في أنه جمع العِلم من الكتاب، والسنَّة، وآثار السلف، مع عقلٍ نيِّر.
وقال:
هو الذي يستحق ما يستعمله الصوفيون، ويطلقونه على غير من يستحق استعمالهم، فيقولون: ” العارف بالله ” فلان، ” العارف بالله ” حقًّا هو مثل ابن تيمية، وأمثاله. انتهى.
ولشهرة هذا اللقب عند أهل البدعة، ولوجود تعريف خاص بمعرفة الله عندهم: فإننا نرى هجر هذا اللقب، وعدم الدعاء بأن يفتح الله على أحدٍ فتوح العارفين، إلا إن كان الداعي يعرف ما يقول، ويقصد به المعاني الجليلة، ويقصد بالعارفين أئمة الهدى.
قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:
مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية العارف بالله حقًّا، ولا أدري هل نثني عليه خيرا حينما نصفه بما يصف غيرنا بعض كبارهم، حينما نصف ابن تيمية بأنه العارف بالله حقًّا، ما ندري أنذمه أم نثني عليه! لكن إنما الأعمال بالنيات؛ لأنه حقيقة هو عارف بكتاب الله، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ” دروس صوتية ” ( 1 / 8 ) – ترقيم الشاملة -.
والله أعلم.


