إذا أوتر بواحدة, فأي سورة يقرأ؟.

السؤال

أريد معرفة صلاة الوتر ذات الركعة الواحدة, ما الآية التي تقرأ فيها, هل تقرأ سورة سبح اسم ربك الأعلى؟ أم سورة الإخلاص؟ أم سورة الكافرون؟ أم تقرأ الثلاث؟ أرجو الإجابة على إيميلي, مع العلم أني أرسلت لكم ثلاث رسائل في نفس السؤال, ولم تردوا, فأرجو الرد بسرعة, وأرجو إعلامي بالرد وشكرًا.

الجواب

الحمد لله

يجوز الإيتار بركعة واحدة، كما يجوز بثلاث, وخمس, وسبع, وتسع, وإحدى عشرة.

وإذا أوتر الإنسان بواحدة, فله أن يقرأ فيها ما شاء من السور والآيات، كأن يقرأ فيها بالإخلاص، أو بسبح اسم ربك الأعلى، أو يقرأ فيها بسبح والكافرون والإخلاص، أو غير ذلك.

قال ابن حزم في المحلى (2/94): ” ويقرأ في الوتر بما تيسر من القرآن مع أمَ القرآن, وإن قرأ في الثلاث ركعات مع أم القرآن بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد, فحسن, وإن اقتصر على ( أم القرآن ) فحسن, وإن قرأ في ركعة الوتر مع أم القرآن بمائة آية من النساء فحسن, قال تعالى: ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) .

وقال ابن قدامة (1/454): ” ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث, في الأولى بـ ( سبِّح ) , وفي الثانية ( قل يا أيها الكافرون ) , وفي الثالثة ( قل هو الله أحد ) , وبه قال الثوري, وإسحاق, وأصحاب الرأي, وقال الشافعي: يقرأ في الثالثة ( قل هو الله أحد ) , والمعوذتين, وهو قول مالك في الوتر, وقال في الشفع: لم يبلغني فيه شيء معلوم, وقد روي عن أحمد, أنه سئل, يقرأ بالمعوذتين في الوتر؟ قال: ولم لا يقرأ ” انتهى.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 298 ):

ذهب الحنفية إلى أنه لم يوقَّت في القراءة في الوتر شيء غير الفاتحة، فما قرأ فيه: فهو حسن، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ به في الأولى بسورة ( سبح اسم ربك الأعلى )، وفي الثانية بـ ( الكافرون ), وفي الثالثة بـ ( الإخلاص )، فيقرأ به أحيانا، ويقرأ بغيره أحيانًا للتحرز عن هجران باقي القرآن. انتهى.

– وبهذا تعلم أن الأمر واسع.

وللتنبيه: فإن الحنفية لا يرون الوتر بركعة، خلافاً لجمهور الفقهاء، وإنما نقلنا قولهم؛ لأنهم لا يرون ثمة سنَّة مقيدة في الوتر بثلاث، فأولى أن لا يكون في الوتر بواحدة.

وهل ما قاله الأئمة رحمهم الله فيما يُقرأ في ثالثة الوتر ينطبق على الركعة الواحدة لو صلاها وحدها؟.

ابتداء يُقال: إذا كان وقع بين العلماء خلاف في قراءة وتر الثالثة مع وجود أحاديث صحيحة فيها بيان ما يقرؤه المصلي فيها: فأولى أن يقع خلاف بينهم فيما لو كانت صلاته أصلًا ركعة واحدة، وهي لم يرد فيها مثل ما ورد في الثلاث.

– ويمكننا حصر أقوى ما ينبغي أن يقال في قراءة الركعة الواحدة من الوتر في قولين:

  1. الإخلاص، أو الإخلاص والمعوذتان – عند من يصحح حديثهما -.
  2. التخيير، وهذا أكثر ما ورد عن السلف.

* أما القول الأول: فيحتاج إلى تنبيه وتفصيل، فنقول:

إن القراءة في الوتر إذا صُلِّيَ ركعة واحدة فقط: هي نفسها القراءة فيما لو صلَّى المصلي الوتر أكثر من ثلاث ركعات! وبالتفصيل يتضح المقال:

لا يخلو من أراد الصلاة بأكثر من ثلاث ركعات للوتر بأنه يصليها موصولة، أو مفصولة، فقد يصلي خمسا بسلام واحد، وقد يصلي سبعا بسلام واحد، وقد يوتر بإحدى عشر ركعة، يختمها بثلاث مفصولة عن الثماني التي قبلها.

فنقول: إذا صلَّى المسلمُ الوترَ أكثر من ثلاث موصولة: فلا يختم الثلاث بما ورد في السنَّة، بل يقرأ ما يشاء، وإذا ختم وتره بثلاث ركعات – متصلة، أو موصولة -: قرأ الوارد في السنَّة، ومثله يقال في ركعة الوتر الواحدة، فمن صلَّى خمساً أو سبعاً متصلة: فلا يختم الركعة الأخيرة بقراءة الإخلاص – أو مع المعوذتين عند من يصحح حديثهما -، ومن صلَّى الوتر إحدى عشرة ركعة يسلِّم في كل ركعتين ثم يوتر بواحدة: فهذا يقرأ في هذه الركعة ما ورد في السنَّة، ومثله يقال فيمن أوتر بواحدة فقط.

وهذا الذي قلناه – أي: في الوتر بأكثر من ثلاث مفصولة أو موصولة، وقسنا عليه الوتر بواحدة موصولة أو مفصولة -: توقف فيه الهيتمي الشافعي – رحمه الله -، وجعله ” محل نظر “، بينما جزم به ” البلقيني الشافعي – رحمه الله -.

قال الهيتمي – رحمه الله – في ” تحفة المحتاج في شرح المنهاج ” ( 2 / 227 ):

ويسنُّ في الأولى: قراءة ” سبح “، وفي الثانية: ” الكافرون “، وفي الثالثة: ” الإخلاص “، و ” المعوذتين “؛ للاتباع، وقضيته: أن ذلك إنما يسن إن أوتر بثلاث؛ لأنه إنما ورد فيهن.

ولو أوتر بأكثر: فهل يسنُّ ذلك في الثلاثة الأخيرة فَصَلَ، أو وَصَلَ: محل نظر، ثم رأيتُ البلقيني قال: ” إنه متى أوتر بثلاث مفصولة عما قبلها, كثمان, أو ست, أو أربع: قرأ ذلك في الثلاثة الأخيرة، ومن أوتر بأكثر من ثلاث موصولة: لم يقرأ ذلك في الثلاثة، أي: لئلّا يلزم خلو ما قبلها عن سورة، أو تطويلها على ما قبلها، أو القراءة على غير ترتيب المصحف، أو على غير تواليه، وكل ذلك خلاف السنَّة “.

ا هـ.

نعم يمكن أن يقرأ فيما لو أوتر بخمس – مثلا -: ” المطففين ” و ” الانشقاق ” في الأولى، و ” البروج ” و ” الطارق ” في الثانية، وحينئذ لا يلزم شيء من ذلك. انتهى.

والذي نراه أن تعليل البلقيني – رحمه الله – فيه نظر، وقد ردَّ عليه بسهولة الهيتمي – رحمه الله -، وكان اللّائق أن يقول في السبب المانع من القراءة بما ورد في الثلاث إن صلَّى بأكثر منها: بأنه ” إنما ورد فيهن ” وهي عبارة الهيتمي نفسها في أول كلامه.

فالخلاصة إذا:

أن من صلَّى الوتر ركعة واحدة: فمن المحتمل أن يقال إن السنَّة أن تقرأ فيها الإخلاص، أو الإخلاص والمعوذتين، ومحل ذلك فيما لو صلاَّها وحدها غير مسبوقة بشيء، أو كانت مسبوقة بركعتين، أو مسبوقة بعشر ركعات.

وأما القول الثاني المحتمل: فهو أن المصلِّي يقرأ بما يشاء إن صلاها ركعة واحدة، وأنه ليس ثمة سنَّة معينة في قراءة هذه الركعة، وأنه لا قياس على الوتر بثلاث؛ لما سبق بيانه من أنه حتى الثلاث ركعات يختلف حكمها فيما أوتر بخمس أو سبع متصلات، فليست الثلاث ها هنا كالثلاث وحدها، وهكذا يقال في الوتر بركعة واحدة ليس هو الركعة الأخيرة من الثلاث.

وهذا هو الذي عليه الأكثر من أهل العلم:

  1. عن أبي مجلز أن أبا موسى: كان بين مكة والمدينة فصلَّى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها, فقرأ فيها بمائة آية من النساء، ثم قال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم قدميه، وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه النسائي ( 1728 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “، وثمة كلام لبعض أهل العلم في سماع أبي مجلز من أبي موسى، وقد اعتمدنا ها هنا تصحيح الشيخ الألباني.

ورواه أبو داود الطيالسي ( 512 ) بلفظ: ” ثم صلى ركعة قرأ فيها بمائة، من النساء والبقرة “.

ومعنى ” ألَوت “: أي: قصَّرت.

والشاهد منه: صلاته الوتر ركعة واحدة، وقراءته فيها مائة آية من النساء، أو من النساء والبقرة.

  1. عن عبد الرحمن بن عثمان قال: قلت: لأَغلبن على المقام الليلة، فسبقتُ إليه، فبينما أنا قائم أصلى إذا رجل وضع يده على ظهري، قال: فنظرت، فإذا عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وهو يومئذ أمير – فتنحيتُ عنه، فقام، فافتتح القرآن حتى فرغ منه، ثم ركع، وجلس، وتشهد، وسلَّم في ركعة واحدة لم يزد عليها، فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين إنما صليتَ ركعةً، قال: هي وتري. رواه ابن أبي شيبة في ” المصنَّف “، والبيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 1 / 404). وصححه ابن كثير في ” فضائل القرآن “( 50 ).

وقد ذكر ذلك عن عثمان – رضي الله عنه الإمام الترمذي -، وضعَّفه عنه الشيخ الألباني:

قال الترمذي:

وروي عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها, وروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة. ” سنن الترمذي ” ( 5 / 196).

قال الألباني رحمه الله – معلِّقا -:

أحسن الإمام الترمذي برواية هذا الخبر والذي بعده بصيغة التضعيف؛ لأن الركعة مهما طالت: لا يمكن أن يُقرأ فيها القرآن الكريم كاملا، فضلا عما في ذلك من مخالفة لسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركوع، والسجود، والقيام، وحاشا لسيدنا عثمان أن يفعل مثل ذلك. ” ضعيف سنن الترمذي ” ( 1 / 357 ).

وما ضعفه الشيخ – رحمه الله – معارض بتصحيح غيره كابن كثير – وسبق ، والنووي – وسيأتي -، ولم يبيِّن سبب الضعف، وما ذكره من نكارة المتن, وأنه لا يُقرأ القرآن كاملاً في ركعة: غير صحيح، وليالي الشتاء تطول حتى تسعَ قراءة القرآن كاملًا وزيادة، فما بين العشاء والفجر فيها قد يطول حتى يصل ( 12 ) ساعة، ويستغرق قراءة القرآن كاملًا حوالي ( 8 ) ساعات في المتوسط المعتدل، ثم إن هذا الأمر لم يكن ديدناً لعثمان حتى يعد مخالفة للسنَّة، وقد ثبت عن السلف أنهم ختموا القرآن أكثر من مرة في اليوم الواحد، وهذا لا يعد مخالفاً للسنَّة؛ لأنه لم يكن من منهجهم، ولا من فعلهم الدائم، بل كان ذلك في أوقات فاضلة – كرمضان – تفرغوا فيه للطاعة والعبادة والاعتكاف، ولم يكن ليؤثر على كسبهم، وعلى واجباتهم الدينية والدنيوية.

ويؤيد رواية عثمان في قراءته للقرآن كاملاً في ركعة: ما رواه ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 1 / 403 و 2 / 193 ): عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية, حين دخلوا على عثمان ليقتلوه فقالت: ” إن تقتلوه أو تدعوه: فقد كان يحيي الليل بركعة، يجمع فيها القرآن “. وحسَّنه ابن كثير في ” فضائل القرآن ” ( 50 ).

– وصححه الدكتور عطية الزهراني في تحقيقه لكتاب ” السنَّة ” للخلاَّل ( 2 / 332). إسناده صحيح.

  1. و 4. ومثله ثبت عن تميم الداري – رضي الله عنه-، وعن سعيد بن جبير – رحمه الله-.

فقد روى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 1 / 403 ) عن ابن سيرين: أن تميماً الداري قرأ القرآن كله في ركعة.

وروى في ( 2 / 386 ) عن حماد بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: قرأت القرآن في الكعبة في ركعة.

– وصحح أسانيدها الحافظ ابن كثير في ” فضائل القرآن ” ( 50 ).

وقال النووي – رحمه الله -:

وأما الذين ختموا القرآن في ركعة: فلا يحصون؛ لكثرتهم، فمنهم عثمان بن عفان – رضي الله عنه -، وتميم الداري، وسعيد بن جبير. ” الأذكار ” ( ص 102 ).

والخلاصة:

يخيَّر المصلي إذا أوتر بركعة واحدة أن يقرأ فيها بالإخلاص وحدها، أو بالإخلاص والمعوذتين، وهذا له أصل في السنَّة، أو يقرأ ما يشاء، وهذا له أصل في فعل السلف.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة