هربت من بيت أهلها وفعلت المنكرات وتريد إعادة العلاقة معهم وهي على حالها!.
السؤال
لي ابنة عمرها ( 22 عامًا )، تعودت الابنة خداعَ أهلها، واحترفت الكذب للوصول إلى أطماعها منذ كانت في الخامسة عشر من عمرها، صبرت الأم سنوات وسنوات على أمل أن تنصلح ولكنها كانت تزداد سوءً، وفي الآونة الأخيرة اكتشفت الأم عن ابنتها ما لا يصدقه عقل، وما يندى له الجبين، فلم تحتمل مجرد النظر إليها، ولكنها تحاملت علّه يكون هناك أمل في إصلاحها، ولكن ارتكاب المحرمات كان قد استولى على قلبها وعقلها ولا حياة لمن تنادي، لقد تركت بيت أهلها عندما طلبوا منها العدول عما هي عليه من انحلال، وانتهاج مسلك آخر يعينها على اتخاذ خطوات نحو طريق أفضل، ولكنها أعرضت واختارت أن تترك بيت أبيها بحثًا عن الدنيا والمتاع الرخيص، بين الحين والآخر تطلب الابنة أن تعود العلاقات بينها وبين أهلها وتقبلها كما هي، فقد أوضحت نيتها في الاستمرار فيما هي عليه من المعصية، إن الأم في غاية الأسى والحزن على عمر ضاع في تربية ابنتها، كيف تأمنها بعد عمر مضى وهي تكذب وتخادع؟ إنها تشعر أنها تكرهها ولا تطيق النظر إليها.
تتمنى من الله أن يهديها، ولكن لا تقوى على التعامل معها، ما حكم صلة الرحم في هذه الحالة؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا يستطيع أحد وصف شعور الوالدين اللذين يريان ابنتهم تفعل المنكرات أمامهم ولا يملكون من أمرهم شيئًا! ولا يستطيع أحد توصيف حالهما عندما تكون ابنتهم هاربة من بيتهم، تفعل ما تشاء، وتبيت حيثما تشاء!.
إننا لنتخيل كيف أن قلب والدتها يتفطر، وكيف أن عقل والدها يكاد يطيش، ونسأل الله العفو والمعافاة، ونسأله السلامة لديننا وأعراضنا، وأن يهدي تلك الابنة الطائشة، وأن يحفظ على والديها دينهم، وعقولهم.
ثانيًا:
وقد لا يكون عند كثير من الناس مناسبًا أن نحمِّل والديها بعض المسئولية لما حدث لابنتهم، لكننا لا نعالج في أجوبتنا قضية خاصة، بل نضع يدنا على الجرح، ونحذر الناس جميعًا من أن يصابوا بمثله، وما القضية الخاصة إلا سبب للتحذير والتنبيه.
وغير خافٍ على أحدٍ أنه من يرضى لنفسه وأهله العيش في دولة متحللة من الخلق والدين: أنه سيدفع ثمن هذا الاختيار غاليًا، وهذا هو واقع هذه الأسرة التي رضيت أن تعيش في دولة غربية متحللة كافرة، تنص قوانينها على حماية حرية ابنتهم في أن تعشق من تشاء، وأن تنام مع من تشاء، وأن تتزوج من تشاء، ولا يملك والدها ولا أخوها منعها من تحقيق رغباتها الشهوانية الحيوانية، وإلا كان مصيرهم السجن، فإن تكرر منهم أذيتها فصلوها عن أهلها، ومكَّنوها من العيش بحريتها, وهو ما يسبب آلامًا لأهلها، وحرقة لقلوبهم، ولكنهم – وللأسف – رضوا بهذه البلاد أن تكون مكان إقامتهم واستقرارهم، فكان أن دفعوا الثمن باهظًا.
ثالثًا:
وثمة أسباب تكون من الأهل – عادة وغالبًا – تتسبب في هروب بناتهم من بيوتهنَّ، وهذه الأسباب تختف من أسرة لأخرى، لكنها في مجملها هي ما يدفع البنت لاختيار الشارع مسكنًا لها، ولاختيار صديقات وأصدقاء السوء أهلًا لها، ومن هذه الأسباب:
- تفريط الوالدين في تنشئة البنت على الحياء، والعفاف، والطاعة، وإذا كان هذا واجباً على الأهل في الدول العربية والإسلامية: فإن الوجوب يقوى في بلاد الكفر والفساد.
- ما تعيشه أسرة البنت من ضياع، وتفكك، وخلل في القوامة، فالخلافات بين الوالدين، والانشغال بالعمل، والغياب المتكرر من الوالد عن بيته، والطلاق: كل ذلك يجعل البنت تعيش في عالم غير مستقر، وهو ما يسبب ألمًا ترى أن التخلص منه يكون بمفارقة ذلك المكان الذي سبَّب لها ذلك الألم.
- ” الفراغ العاطفي “، وهو تابع لما سبق، فما أحوج البنت لحنان أمها، وعطف أبيها، وما أحوجها لجو المودة والرحمة في بيتها، وما أحوجها لملء عاطفتها بالحب الذي يشعرها بدفء الأسرة، ولذة العيش معها، فعندما تفتقد الابنة هذا في بيتها: فإنها قد تجده في معسول الكلام والأفعال من شياطين الإنس، وصديقات السوء، فترى هذه الضعيفة أن ثمة مكان يملأ قلبها حبًّا، وعاطفتها حناناً، فلا تملك إلا أن تهرب من بيت والديها.
- تأخير زواج البنت من أعظم الأسباب التي تؤدي بكثيرات إلى الخروج من بيت أهلها؛ لأنها تريد أن تشبع رغبتها المتأججة، فلا ترى إلا طريق الحرام، بعد أن منعها أهلها من طريق الحلال.
- والصحبة السيئة من أعظم ما يساهم في تلويث أفكار البنات، ويجعلهن يكرهن التقيد بأوامر الأب، وتحكم الأم وتدخلها في حياة ابنتها.
- وأخيرًا: ما تأتي به الأسرة من وسائل فساد الأخلاق، كالفضائيات، والإنترنت، والمدارس المختلطة، كل ذلك يساهم في إفساد أخلاق أفراد الأسرة، وبخاصة الإناث منهنَّ، ويجعلهن يقلدن تلك الممثلة، أو المطربة، التي تتبجح أنه ما كان لها لتنجح لولا أنها هربت من بيت أهلها.
فلتنظر كل أسرة في هذه الأسباب، ولتنظر مدى تقصيرها فيما يجب عليها، لتعلم كم تكون هي سببا في فساد أفراد أسرتها، وحملهم على الهروب خارج بيت الأسرة.
رابعًا:
ولكونكم تعيشون في دولة ترعى الفساد وتحمي أهله، ولا تمكنكم من العناية بابنتكم ولا الأخذ على يدها بالقوة: فإنه سيكون من الصعب وجود حلٍّ عملي فوري لمشكلة ابنتكم إذا كانت ستكون جزء من أسرتكم، تعيش بينكم، ومعكم، وأما مع بُعدها عنكم: فالأمر سهل، إذ ليس ثمة ما يجبركم على إرجاع العلاقة معها ما دامت مصرة على ما هي عليه من فساد.
وفي هذا الإطار، وبخصوص إعادة العلاقة معها، مع إصرارها ذاك: فإنه يمكنكم القبول بتلك العلاقة أن تعود، على أن يكون ذلك من أجل كفها وردعها عما هي عليه من معاصي ومنكرات، ولكن هذا ليس بالشيء السهل في الفعل، ولا بالهين على القلب ليتحمله الوالدان، فمن الصعب على النفس قبول مثل هذه الابنة زائرة لوالديها وهي على حال سيء من ارتكاب المنكرات، وفعل الفواحش، ولكن يهون الأمر إن كان من أجل هدايتها وإصلاحها.
وعليه: فإذا أردتم قبولها جزء من أسرتكم، ورغبتم بإعادة العلاقة معها من أجل هدايتها: فعليكم الاستماع لما نقوله لكم، والعمل على تحقيقه في واقعكم:
- إذا كان في قبول إعادة العلاقة مع ابنتكم أنها ستتسبب في إفساد أخواتها اللاتي يسكنن عندكم في البيت: فمن غير تردد: لا تقبلوا بإعادتها، مهما كانت الظروف، ولا تجعلوا الحسرة تتكرر، والخسارة تتفاقم.
- إذا كنتم تودون لها الهداية، وستبذلون في ذلك جهدكم، واتفقتما على ذلك -والخطاب لوالديها -: فاقبلوا بها أن ترجع، وأما عدم استعدادكم لتحملها في سبيل هدايتها، أو مع عدم اتفاقكما على ذلك: فلا تقبلوا بها، ولا تُرجعوها.
- نرى أن طلب ابنتكم بإعادة علاقتها معكم مما يمكن أن يُستثمر من قبَلكم، فلا تفرطوا فيه، فقد يكون سبب طلبها الرجوع إليكم حاجتها لعاطفة الأمومة، أو لملء فراغ عاطفي لا تملؤه إلا الأسرة، أو قد يكون سبب رجوعها إليكم حاجتها للمال، والمهم في ذلك: أنها هي الراغبة في إعادة العلاقة، ونرى أن تستثمروا هذا أفضل استثمار؛ لتحققوا هدفكم وغايتكم في هدايتها، وكف نفسها عن غيها.
- وننصحكم أن لا تواجهوها بالتأنيب، والتثريب، فقد يكون هذا مما ينفرها منكم، فما مضى ولَّى وانتهى، وأنتم الآن تريدون إيقافه، وقد يسوِّل لها الشيطان هجركم مرة أخرى، والفراق الأبدي معكم إن كنتم ستواجهونها بما فعلتْ، وليكن همكم أن تراجع هي نفسها، وتؤنبها، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.
- وننصح الأم الفاضلة أن تتحمل رؤيتها، وأن تحتسب ذلك عند ربها، ونحن نعلم أن الأمر مؤلم، وأن القلب مجروح، لكننا نريد إصلاح ما مضى، وليس الاستمرار به، فضلاً عن زيادته، ولتكن هذه الأم أختاً وصديقةً لابنتها بالإضافة لكونها أمًّا؛ حتى تتقرب إليها أكثر، وحتى يُسمع لكلامها، ويُؤخذ بنصحها، ولسنا بحاجة لإعادة الخطاب مع الأب، وظننا أنه يتفهم ما نصحنا به زوجته.
- وعلى الوالدين الفاضلين تجهيز برنامج هداية لابنتهم، يبدأ في أول زياراتها لهم، وينتهي إن شاء الله في أقرب وقت عندما نسمع أنها هداها الله، واستقامت على الطريق، وليكن من فقرات هذا البرنامج:
أ. كثرة إهدائها ما يتيسر من أشياء؛ فإن الهدية تقرب القلوب المتباعدة، وتحبب القلوب المتنافرة.
ب. الجلسات الأسرية الدافئة، والسهرات العائلية الحانية، ولعلَّ هذا ما تفتقده، ويكون سبباً لرجوعها لدينها وعقلها.
ج. الرحلات إلى أماكن شرعية لا يكون فيها اختلاط، ولا سماع معازف ومحرمات، ومن شأن هذا أن يقرِّب المسافة بينها وبين أهلها.
د. تجهيز مواد سمعية ومرئية لبرامج ومحاضرات إسلامية نافعة، على أن تتناول تلك المواد مواضيع تتعلق بسوء الخاتمة، وحكم ترك الصلاة، والموت، والقبر، وليكن انتقاء تلك المواد عن طريق التعاون مع أقرب ” مركز إسلامي ” موثوق به؛ فإنهم أقدر على جلب تلك المواد التي يحسن أصحابها مخاطبة من يعيش في الغرب، ويتأثر بثقافتهم.
هـ. وأخيرا: نوصي الوالدين – والأم خاصة – أن يكون في ذلك البرنامج فقرة ” الدعاء ” لابنتهم أن يصلح الله تعالى حالها، وأن يوفقها للاستقامة، وليتذلل كل واحد منكما لربه أن يتقبل دعاءه.
– واللهَ تعالى نسأل أن يهدي ابنتكم، ويوفقها لما فيه رضاه.
والله الموفق.


